
ميرنا صابر – Breaking News Leb
شهدت أسواق الذهب والفضة خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة واحدة من أعنف موجات التراجع منذ عقود، بعد مرحلة طويلة من الارتفاعات القوية التي جذبت سيولة ضخمة وأعدادًا كبيرة من المستثمرين والمتداولين. هذا الانعكاس السريع في الاتجاه لم يكن تفصيلاً عابرًا في حركة السوق، بل أعاد طرح أسئلة أساسية حول توقيت الدخول والخروج، وحدود الثقة بالزخم الصاعد، ومدى هشاشة الأسواق عندما يتبدّل المشهد النقدي فجأة.
فخلال الأشهر الماضية، حقق الذهب مكاسب لافتة تراوحت بين 25 و30 في المئة، مدفوعًا بتراجع الثقة بالعملات، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وازدياد الإقبال عليه كملاذ آمن. في المقابل، كانت الفضة أكثر اندفاعًا، إذ قفزت أسعارها بنسب وصلت إلى ما بين 60 و70 في المئة خلال فترة قصيرة، مستفيدة من تلاقي الطلب الاستثماري مع الطلب الصناعي. هذا الصعود السريع خلق حالة من التفاؤل المفرط، وراكم مخاطر كبيرة كانت كامنة في أي انعكاس مفاجئ.
خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، انقلب المشهد بالكامل، تراجع الذهب بنسبة تراوح بين 10 و12 في المئة في جلسة واحدة، فيما تعرّضت الفضة لهبوط أعنف قُدّر بما بين 25 و30 في المئة، في واحدة من أكبر التراجعات اليومية التي تسجّلها منذ نحو 45 عامًا. هذه الحركة الحادة شكّلت صدمة للأسواق، ليس فقط بسبب حجم الخسائر، بل بسبب سرعتها وتزامنها مع تحوّل واضح في المزاج الاستثماري العالمي.
وفي هذا الإطار، أوضح الخبير في الأسواق المالية نديم السبع في حديثه إلى Breaking News LEB أنّ: “أسباب الارتفاع التاريخي في الذهب والفضة كانت واضحة في المرحلة السابقة، مشيرًا إلى ضعف الدولار الأميركي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وأزمة فنزويلا، وتهديدات الرئيس الأميركي بضرب إيران، إضافة إلى عوامل مرتبطة بسياسات البنوك المركزية”. وأضاف أنّ: “ما حصل في الجلسة الأخيرة لا يمكن اعتباره تصحيحًا تقنيًا عاديًا، بل هو أقرب إلى انهيار تاريخي قد توقّعته قبل عشرة أيام، فالسوق لم يشهد حركة مماثلة منذ أكثر من أربعة عقود، مع تسجيل عمليات تسوية واسعة للمراكز وتدخلات واضحة من صناع السياسات النقدية في الغرب، إلى جانب تحركات كبيرة من قبل كبار صناع السوق.”
في ظل هذا الواقع، بدأت رؤوس الأموال بالخروج بسرعة من المعادن الثمينة باتجاه أدوات مالية توفّر عائدًا مباشرًا، ما أفقد الذهب والفضة جزءًا من جاذبيتهما في المدى القصير. وترافقت هذه الحركة مع موجات جني أرباح واسعة بعد الصعود الكبير، إضافة إلى كسر مستويات فنية حساسة أدّى إلى تفعيل أوامر بيع تلقائية وزاد من حدّة الهبوط.
الفضة كانت الأكثر تأثرًا، ليس فقط بسبب العامل المالي، بل أيضًا نتيجة المخاوف المتزايدة من تباطؤ الطلب الصناعي العالمي، ولا سيما في قطاعات التكنولوجيا والطاقة. هذا التداخل بين كونها معدنًا استثماريًا وعنصرًا صناعيًا أساسيًا جعل حركتها أكثر حدّة وأسرع تقلبًا مقارنة بالذهب.
وفي هذا السياق، شرح السبع أن شريحة واسعة من المستثمرين لم تعد تملك الكتلة النقدية اللازمة للدخول في عمليات شراء جديدة، ما دفع البعض إلى الاكتفاء ببيع ما يملكه من ذهب وفضة، فيما اتجه آخرون إلى التداول على المكشوف في الأسواق الكبيرة. هذا التحوّل أدّى إلى تراجع حاد في الطلب، وتحول المراكز إلى بيعية بشكل شبه كامل، ما سرّع وتيرة الانهيار.
ورغم قسوة التراجع، لا يرى كثير من المتابعين أن ما حصل يعني نهاية دور الذهب والفضة كأدوات استثمارية، بل يعتبرونه تصحيحًا قاسيًا بعد موجة صعود قوية، واختبارًا حقيقيًا لقوة السوق وقدرته على إعادة التوازن. فالتجارب السابقة تُظهر أن مثل هذه الهزّات غالبًا ما تسبق مراحل استقرار جديدة، خصوصًا في عالم لا يزال مثقلاً بالمخاطر الاقتصادية والسياسية. ويؤكد السبع أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلّب قراءة هادئة ومتأنية، بعيدًا عن ردود الفعل السريعة، لأن الاتجاهات الكبرى لا تُحسم في يوم واحد مهما بلغت حدّة التحركات.
في الخلاصة، ما شهدته أسواق الذهب والفضة خلال أقل من 24 ساعة يختصر طبيعة المرحلة الحالية: أسواق سريعة الإيقاع، قرارات نقدية شديدة التأثير، وسيولة تنتقل من أصل إلى آخر بلا إنذار. وبين من يرى في هذا الهبوط فرصة جديدة، ومن يخشى امتداد التقلبات، يبقى العامل الحاسم هو فهم الصورة الكاملة للسوق، لا الاكتفاء بحركة الأسعار الآنية.
