
أوضح رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، خلال “لقاء الاخوة في زمن الصوم”، أن “الصوم ليس فقط رسما للعلاقة بين الانسان والله بل ايضاً بين الانسان واخيه الانسان. وحين يتزامن الصوم المسيحي مع الاسلامي فهذا تعبير للقائنا في الجوهر، ولو اختلفت المظاهر.
لقاؤنا اليوم رسالة ان الدين هو جسر وليس جبهة، هو مساحة لقاء وليس خط مواجهة؛ فالإسلام والمسيحية لا يجب ان يكونا مسارين منفصلين، بل متقاطعين وتجربة مشتركة. الأخوّة التي نتحدّث عنها في صومنا اليوم ليست حالة وجدانية عابرة، بل هي خيار سياسي فكري وثقافي، خيار بأن الدين ليس اداة تعبئة بل مادّة تواصل. أملنا ان لا تكون السياسة معركة وجود لأن مصيرنا واحد حتى عندما تختلف آراؤنا، فالأزمة في عصرنا وبلدنا ليست في نقص القوّة بل في فائضها من دون حكمة. لبنان اليوم لا يحتاج الى تسويات ظرفية وادارة ازمة بل الى رؤية جامعة واعادة تأسيس الدولة”.
وتابع في كلمته، “اعتقد بعضنا ان حماية الطوائف تكون بإضعاف الدولة، فاتّضح ان تحصين الجماعات لم يبنِ الثقة ففشلت المواطنة، واتّضح ان المشكلة ليست في التعدّد فقط، بل في غياب مشروع وطني يضمن ويحمي التعدّد من ضمن الوحدة. لبنان ليس كياناً طارئاً بل صيغة حضاريّة،
والتحدّي منذ العام 1920 هو كيف نحفظ الخصوصيّات من دون ان نجزّئ المصير، كيف نبني دولة قوية من دون ان نخيف مكوّناً منها، وكيف نطمئن كل جماعة من دون ان نحوّل الدولة الى ساحة صراع مستمر وتوازن هش؟
لقد حاولنا طويلاً ان نبحث عن التشابه لنشعر بالأمان، بينما الحقيقة ان لبنان لم يولد ليكون متشابهاً بل ليكون متوازناً، وقوّته لم تكن يوماً في توحيد الناس في نفس الصورة، بل في قدرته على جمعهم من دون ان يفقدوا خصوصيّاتهم.
لبنان فريد، ليس بمجرّد التعايش بل بالمناصفة في التعايش، والتشارك الكامل بعيداً عن منطق العدد والغلبة. لبنان ليس نسخة عن احد، بل هو الرسمة الأصيلة الفريدة، ولبنان لا يجب ان يكون مجتمعاً يعيش رغم اختلافاته، بل مجتمع يجد في اختلافه شرطاً لوجوده. والمطلوب انتقال نوعي من منطق حماية الطوائف الى منطق حماية المواطن. ونحن هنا لا ندعو ابداً الى الغاء الخصوصيات بل الى ضبطها ضمن دولة عادلة. الانتماء الديني والثقافي يبقى مصدر غنى روحي وحضاري، لكن المواطنة هي الإطار الناظم للحقوق والواجبات ضمن منظومة الدستور والقانون. والمواطنة ليست شعاراً تجميلياً بل نظام سياسي واقتصادي واخلاقي متكامل.
من طرابلس، المدينة التي عرفت وعاشت التنوّع نقول بوضوح: لا نريد هدنة بين طوائف بل شراكة بين مواطنين، لا نريد توازن خوف، بل توازن ثقة. الثقة لا تبنى بالخطابات، بل حين يشعر كل مكوّن ان وجوده غير مهدّد؛ حين يشعر المسلم ان ايمانه ليس مستباحاً وحين يشعر المسيحي ان حضوره ليس مؤقّتاً. فالسياسة ليست تأجيج الصراع بل تخفيف الخوف وخلق الطمأنينة، لأننا اذا لم نخفّف من خوف الناس تتحوّل الطائفة الى ملجأ ويصبح الوطن معبراً. لا يجب ان نكون في سباق ارقام بل في سباق ثقة، لأنّه ثبُت انه لا يمكن لفريق وحده ان يحكم لبنان، كما لا يمكن لأي مكوّن ان يلغي الآخر، كما انّ قوّة اي طائفة لا تتحقّق بإضعاف الأخرى بل تتحقّق بقوّة الدولة التي تحمي جميع المكوّنات”.
وإستطرد باسيل في كلمته، “المعادلة واضحة: دولة قويّة عادلة تقود الى جماعات مطمئنّة او دولة ضعيفة تقود الى جماعات قلقة ومتصارعة. لبنان يحتاج دولة قويّة تنقله من منطق الانقسام الى منطق التوازن ومن ثقافة الغلبة الى ثقافة الاستقرار. لا ننكر ان التنافس هو جزء طبيعي وصحي من الحياة السياسية والوطنية، ولكن لا يجب ان يتحوّل الى محاولة الغاء للآخر، لأن من يربح على شريكه اليوم يخسر الوطن غداً. نحنا تجرّبنا وتعلّمنا، لذلك لا نطمح ان نكون الأقوى دائماً بل ان نكون الأكثر قدرة على جعل لبنان قابلاً للحياة في شرقٍ متحوّل حيث من السهل ان ينزلق بلد صغير الى صراعات اكبر منه. يجب ان تكمن قوّة لبنان في قدرته على ان يكون مستقلاً في قراره تلبيةً لمصلحته الوطنية، فيكون نقطّة تلاقٍ وليس ساحة مواجهة. لقد اثبتت التجارب ان الاستقواء بالخارج، اياً كان مصدره، يكون مؤقتاً ولا يصنع استقراراً وما نحتاجه اليوم هو الجرأة السياسية لخفض التوتر بدل تصعيده؛ فالشراكة الوطنية ليست خياراً ظرفياً بل شرط وجود، والشراكة ليست تنازلاً بل ضمانة والتوازن ليس ضعفاً بل حكمة”.
وزاد “المنطقة لا تحتاج اليوم الى مزيد من الاستقطاب بل الى نماذج توازن. ونجاح لبنان في تثبيت هذا التوازن الداخلي سيكون رسالة أمل تتجاوز حدوده. اما فشله، فلن يكون خسارة لبنانية فقط، بل خسارة جماعية ومؤشراً مقلقاً لمنطقة تبحث عن صيغٍ للاستقرار. التعدّدية ليست ظرفاً بل صيغة حياة، من هنا تتجاوز قيمة لبنان حدوده الجغرافية، فنموذجه، ولو لم يكن مكتملاً لكنه حيّ، وعليه يجب التعاطي معه كمساحة يجب حمايتها وليس استغلالها؛ مساحة لقاء بين الاسلام والمسيحية، بين الشرق والغرب، بين هويّات وحضارات اختارت ان تبقى معاً رغم التحديّات. وحماية هذا النموذج الفريد من الشراكة المتناصفة الاسلامية – المسيحية ليست دفاعاً عن بلد صغير، بل دفاع عن قيمة يحتاجها عالم يزداد اضطراباً وسقوط هذا النموذج لن يكون خسارة وطنية فحسب، بل انتكاسة لفكرة ان التعددية قابلة للحياة في عالمنا اليوم.
يقول البابا فرنسيس ان “الحوار بين اتباع الديانات المختلفة شرط اساسي للسلام في العالم”؛ وقد وقّع عام 2019 مع شيخ الأزهر احمد الخطيب وثيقة الأخوّة الانسانية التي تنصّ على ان المؤمنين مدعوون ليكونوا “اخوة متحابين، يعملون معاً من اجل السلام والعدالة”.
هنا في طرابلس، نلتقي وايّاكم اليوم لندعو بعضنا لنكون اخوة متحابّين متفاهمين وليس بالضرورة متناغمين متشابهين. كما اكّد على ذلك البابا لاوون الرابع عشر في زيارته للبنان، وبلقائه مع قادة الطوائف عندما زرع شجرة زيتون رمزاً للسلام والمصالحة. نحن كمسيحيين، ونحن في التيار الوطني الحر، مسلمين ومسيحيين، نعتبر أن رسالتنا هي أن نزرع مفاهيم السلام والمصالحة. وهذا ما اظهرناه، واظهرته طرابلس خلال الحرب الاسرائيلية الأخيرة بأنّها فتحت ابوابها وقلوبها لكل النازحين.
في زمن الصوم نتدرّب على ضبط النفس، فلنحوّل هذا الانضباط الغذائي والنفسي الى انضباط سياسي فنصوم جميعاً عن التحريض، ونصوم عن التخوين ونصوم عن الاستثمار في المخاوف، ولنفطر على مشروع جامع قوامه لبنان دولة سيّدة بقرارها، عادلة بقضائها، منتجة باقتصادها وموحّدة بتنوّعها.
لبنان امام خيارين: امّا ان يبقى ساحة صراع بين طوائف خائفة او يتحوّل الى دولة مواطنين مطمئنين ونحن نختار حكماً الدولة، نختار المواطنة ونختار التنوّع كمصدر قوّة وليس كمصدر قلق، وليكن هذا اللقاء خطوة في مسار طويل نحو عقد وطني اخلاقي جديد. بين اللقاء والصوم، نقف امامكم اليوم ابناء خيارات وطنية ولسنا اسرى مسارات خارجية. وخيارنا ان نعيش التنوّع بكل حريّةٍ وفرح وان نحافظ على خصوصيّاتنا بكل كرامةٍ وامل.
التنوّع الذي يهابه كثيرون في الخارج والداخل يجب ان يكون توازناً وليس صراعاً. ولبنان يسلك طريقه نحو التألّق او الانحدار بحسب الطريقة التي ننظر بها الى بعضنا البعض، اذا نظرنا الى بعضنا كخصوم، سنعيش قلقاً دائماً، واذا نظرنا الى بعضنا كشركاء، سنجد دائماً طريقاً للإطمئنان.
نحن لا نستطيع ان نغيّر العالم، ولكنّنا نستطيع ان نقرّر كيف نعيش فيه، وقرارنا اليوم واضح: قرارنا ان نكون مختلفين من دون ان نكون متصارعين، وقرارنا وخيارنا ان نرى في التنوّع طاقة وليس تهديداً.
نحن نؤمن ان لبنان، حين يختار التوازن، لا يُهزم ولا يزول… لذلك نقول: دائماً ابداً لبنان”.
