Featuredأخبار محلية

الحرب إن طالت… هذا ما سيحلّ بالاقتصاد العالمي

رمزا زخريا – المدن
دخل العالم حربًا جديدة نعرف جيدًا كيف بدأت، لكن من الصعب التنبؤ بكيفية أو بتوقيت انتهائها. وإذا طال أمدها، فإنّها ستفجّر أزمات اقتصادية متعدّدة، بدأت ملامح مخاطرها تلوح في الأفق. وبالتوازي مع التطورات السياسية والعسكرية والأمنية، تتجه الأنظار إلى انعكاساتها على الأسواق، وأسعار الطاقة، وتجارة السلع، وحركة رؤوس الأموال، في ظل تصاعد مخاوف المستثمرين وتنامي القلق الدولي. فهذه الحرب ترفع منسوب المخاطر الاقتصادية التي يرزح تحتها العالم أصلًا، وتمهّد لموجة جديدة من الأزمات المالية التي تثقل كاهل الحكومات والشعوب.

ما الثمن الذي يدفعه الاقتصاد العالمي اليوم؟ وكيف ستتضخّم فاتورة الحرب إذا اشتدّت وطال أمدها؟

لقد استشعرت أسواق السلع مبكرًا حجم المخاطر، فدخلت حالةً من الترقّب حتى قبل اندلاع التصعيد العسكري. وبالاستناد إلى التطورات منذ بداية هذا العام، ولا سيّما العقوبات المفروضة على روسيا وفنزويلا وإيران، كانت أسعار النفط قد سجّلت ارتفاعًا يقارب 20 في المئة منذ مطلع عام 2026.

أمّا مؤشرات الخوف الأخرى في الأسواق فكانت مرتفعة أيضًا، وسط تحذيرات متزايدة بشأن أوضاع أسواق الأسهم عقب موجة الارتفاعات القياسية التي قد لا تستند إلى أسس متينة، ما يثير مخاوف من تكوّن فقاعة سعرية. كما يتصاعد الحذر، تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي تحديدًا، في ضوء الاستثمارات الضخمة التي ضختها الشركات فيه، وهو ما اعتبره البعض جرس إنذار لاحتمال تكبّد خسائر كبيرة. ويأتي ذلك مع تراجع الثقة بقدرة هذه الشركات على تحقيق العوائد المرجوّة وتغطية كلفة التمويل، فضلًا عن تنامي القلق من تضخّم الديون التي تتحمّلها.

الملاذات الآمنة في زمن الحرب

عادةً ما تدفع المخاطر المتصاعدة وحالة عدم اليقين المستثمرين إلى اللجوء نحو الملاذات الآمنة، غير أنّ التصنيفات لم تعد ثابتة كما في السابق، باستثناء المعادن الثمينة وبعض العملات التي ارتبطت تاريخيًا بوظيفة التحوّط في أوقات الأزمات.

فقد سجّل الذهب ارتفاعًا لافتًا منذ مطلع العام، مدفوعًا بعوامل دعم لا تزال قائمة. إلا أنّ مكاسبه الأخيرة، رغم تصاعد العمليات العسكرية والتوترات الجيوسياسية، بقيت محدودة، إذ كبحتها قوة الدولار وتوقّعات استمرار الضغوط على الذهب في المدى القريب. كما أنّ تفاقم المخاوف في أسواق الأسهم، واتساع موجة التراجعات في مؤشراتها، قد يدفع المستثمرين إلى تسييل جزء من مراكزهم في الذهب لتغطية انكشافهم على أسواق الأسهم، وهذا ما يحدّ من قدرة المعدن الأصفر على مواصلة الارتفاع بوتيرة متسارعة.

من جهتها، قفزت أسعار الفضة إلى ما فوق 95 دولارًا للأوقية في ردّة الفعل الأولية عقب انطلاق الضربات العسكرية على إيران، غير أنّ هذا الارتفاع لم يدم طويلًا، إذ عادت الأسعار لتتراجع بشكل ملحوظ وتهبط دون مستوى 80 دولارًا قبل أن تعاود الارتفاع إلى محيط 84 دولاراً. وقد تشهد الفضة مزيدًا من التراجع إذا تصاعدت المخاطر وتفاقمت الضغوط على القطاعات الصناعية، ولا سيّما في الصين، بحكم الارتباط الوثيق لهذا المعدن بالنشاط الصناعي.

أمّا على صعيد العملات، فتقلب المعطيات الراهنة الكثير من الموازين. لقد استعاد الدولار الأميركي مساره الصاعد بعد سلسلة خسائر أمام سلّة من العملات الرئيسية، في حين تراجع اليورو والين الياباني الذي لطالما اعتُبر عملة ملاذ آمن. وفي المقابل، يتزايد التركيز على الفرنك السويسري كأداة للتحوّط في أوقات الأزمات. ويستمدّ الدولار الأميركي دعمه حاليًا من تنامي المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وترجيح إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، في مسعى لاحتواء التضخم وامتصاص تداعيات الحرب على الأسواق.

من جهة ثانية، تشهد أسواق السندات في عدد من دول العالم تذبذبات ملحوظة، مع تصاعد القلق حيال مخاطر الديون السيادية التي تواجهها الحكومات. وباتت هذه الأسواق، التي كانت تُعدّ ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطراب، عرضة لضغوط متزايدة، خشية التعرّض لصدمات اقتصادية جديدة. وتنبع هذه المخاوف من تزايد احتمالات تباطؤ النمو العالمي وعودة التضخم إلى الواجهة، مدفوعَين باضطراب أسواق الطاقة، ونقص السلع، واختلال سلاسل الإمداد جرّاء تداعيات الحرب على شرايين التجارة العالمية، وفي مقدّمها مضيق هرمز.

تهديدُ أسواقِ الطاقةِ العالمية

تعتمد دولٌ آسيوية كبرى بصورة كبيرة على نفط وغاز الشرق الأوسط. فالصين تُعدّ أكبر مستورد للنفط في العالم، كما أنها أكبر مُشترٍ للنفط الإيراني، وتستورد نحو نصف احتياجاتها النفطية من منطقة الشرق الأوسط. أمّا اليابان فتعتمد بنسبة تقارب 95 في المئة على نفط الشرق الأوسط، ويُنقل نحو 70 في المئة من إمداداتها عبر مضيق هرمز.

ومن خلال متابعة أداء الين الياباني، يتّضح أن تراجعه يعكس تصاعد المخاوف من التداعيات الاقتصادية على طوكيو، باعتبارها من أكبر مستوردي الطاقة عالميًا. فارتفاع أسعار النفط، واحتمال انقطاع الإمدادات أو تأخر الشحنات، يضعان الدول المستوردة تحت ضغط مزدوج، لا سيّما في ظل الاضطرابات المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره نحو 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية. وفي سياق متصل، تعتمد الهند على الشرق الأوسط لتأمين نحو 55 في المئة من وارداتها النفطية، ما يجعلها بدورها عرضة لتقلبات الإمدادات والأسعار.

وعلى الرغم من احتفاظ هذه الدول باحتياطيات نفطية استراتيجية، إلّا أنّ تلك المخزونات لا تكفي سوى لأشهر محدودة لتلبية الطلب المحلي إذا طال أمد الحرب. وفي حال إغلاق مضيق هرمز لفترة ممتدة، قد تضطر بعض الدول المنتجة في الشرق الأوسط إلى خفض أو حتى وقف الإنتاج مؤقتًا، نظرًا لمحدودية قدرات التخزين وتعطّل مسارات التصدير.

شريان التجارة العالميّ في مرمى النيران

يُعدّ مضيق هرمز شريانًا حيويًا للتجارة العالمية ونقطة استراتيجية لأمن الطاقة الدولي، إذ يمرّ عبره يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، فضلًا عن خُمس تجارة الغاز المسال عالميًا. وتعتمد دول كثيرة على هذا المضيق لتأمين احتياجاتها من الطاقة، أبرزها الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان والدول الأوروبية.

تؤدي المخاطر المحدقة بالمضيق إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتأخير وصول البضائع، ما يفرض أعباء إضافية على الشركات، وقد يضطر بعضها إلى البحث عن مسارات نقل بديلة، وكلّ ذلك يساهم في تفاقم ضغوط التضخم على الأسواق.

ومع ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية، قفزت أسعار النفط مع انطلاق تداولاتها في بداية الأسبوع بنسبة 13 في المئة، لتصل إلى 82 دولارًا للبرميل، قبل أن تقلّص المكاسب لاحقًا، وهو أكبر ارتفاع للأسعار خلال نحو أربع سنوات. ومع استمرار الحرب، من المتوقع أن تستمرّ أسعار النفط في الارتفاع، فيما ترتفع أسعار الغاز في آسيا وأوروبا، لتشكّل صدمة جديدة للأسواق العالمية.

الضربات العسكرية تطال الاقتصاد العالمي

تتوالى الصدمات على الاقتصاد العالمي، المنهك أساسًا من أزمات الديون، حيث حذّرت البنوك الكبرى مرارًا من المخاطر، لا سيما الدين الأميركي الذي وصل إلى نحو 38 تريليون دولار.

ومع ذلك، لا تزال تداعيات الحرب الراهنة على نمو الاقتصاد العالمي غير واضحة. فعرقلة حركة التجارة العالمية، وعودة التضخم إلى مستويات مرتفعة، والتقلبات الحادة في الأسواق، كلّها ترتبط مباشرة بمدى استمرار الحرب وتوسّعها. وهذه العوامل مجتمعة تزيد من تكلفة الاقتراض وتفاقم مخاطر الديون على الحكومات والشركات والأفراد، وتضع صانعي السياسات النقدية حول العالم أمام تحديات كبيرة لمواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب، إلى جانب الأعباء المالية والتكاليف العسكرية الباهظة التي تتحملها الدول المنخرطة في النزاع.

زر الذهاب إلى الأعلى