Featuredأخبار محلية

قائد الجيش باقٍ… والمزايدات لا تصنع قرارًا

كتب: دافيد عيسى، سياسي لبناني

في كل مرحلة دقيقة يمرّ بها لبنان، يظهر من يظن أن المؤسسات يمكن إدارتها بالشائعات، وأن الوطنية يمكن توزيعها كأنها شهادات يمنحها هذا الفريق أو ذاك.
وهكذا، ببساطة، يتحوّل النقاش العام من نقاش حول إنقاذ الدولة إلى بازار سياسي مفتوح على كل أنواع المزايدات.
وفي هذا السياق، روّج البعض خبرآ سخيفآ حول أقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وكأن هذا الموقع الوطني الكبير يمكن أن يخضع لرغبات البعض أو لحسابات سخيفة، وكأن المؤسسة العسكرية، التي شكّلت على مدى عقود صمام الأمان في لحظات الانقسام اللبناني، أصبحت مادة للتجاذب السياسي.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن قائد الجيش في لبنان لا يُعيَّن بقرار عابر، ولا يُقال بقرار مزاجي وسخيف.
فقيادة الجيش ليست تفصيلًا في لعبة السلطة، بل هي موقع يرتبط مباشرة باستقرار البلاد وأمنها ووحدتها.
ومن هنا، فإن كل محاولة لإدخال الجيش في السجالات اليومية ليست سوى مغامرة غير محسوبة النتائج.
وبالرغم من كل الضجيج، يواصل قائد الجيش العماد رودولف هيكل أداء مهماته، محافظًا على تماسك المؤسسة العسكرية وعلى دورها الوطني الجامع، في بلد مثقل بالانقسامات السياسية والطائفية.

ولا بد هنا من التذكير بحقيقة يجب ان يعرفها الجميع بأن تعيين قائد الجيش جاء في إطار رؤية الدولة، وبثقة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.
ومن يعرف الجيش اللبناني يدرك أن اختيار قيادته لا يتم على قاعدة المجاملة أو المصالح الآنية، بل على قاعدة الخبرة والانضباط والقدرة على حماية المؤسسة في أصعب الظروف.

إن الذين يحاولون زرع الشكوك حول قائد الجيش يخطئون في “العنوان”.
فالمؤسسة العسكرية في لبنان ليست ملكًا لفريق سياسي معين، ولا يمكن تحويلها إلى ورقة ضغط في الصراعات السياسية الداخلية.

كما ان محاولات تسمية بعض الضباط بدلًا من القائد الحالي كانت سخيفة منذ البداية، إذ إن من قام بها كان يهدف إلى خلق “حرتقات” داخل المؤسسة الوطنية الكبرى، متناسيًا أن الجيش قائم على التراتبية والانضباط والثقة والمؤسسية، وليس على الشائعات والمزايدات السياسية.

لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تُضعف جيوشها أو تسمح بتسييسها تدفع ثمنًا باهظًا من استقرارها ووحدتها.
ولبنان، الذي عرف ما يكفي من الأزمات والانقسامات، لا يحتمل مغامرات جديدة من هذا النوع.

ولذلك، فإن حماية الجيش اللبناني ليست مسألة تتعلق بشخص القائد أو باسم ضابط، بل هي مسألة تتعلق بمصير دولة.

والجيش، بقيادته وضباطه وجنوده، سيبقى فوق الضجيج السياسي، لأنه ببساطة آخر ما تبقّى من ضمانات الاستقرار في هذا الوطن.
ولعل الموقف الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يختصر الكثير من هذا الجدل، عندما أكد بوضوح أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل باقٍ في موقعه، وأن على من يهوى المزاح السياسي أن «يخيط بغير هذه السلة».
وهنا على هؤلاء أن يعرفوا أنه حين يصبح الجيش مادة للمزايدات، تصبح الدولة نفسها موضع اهتزاز.

وحين يُترك الجيش خارج الضجيج السياسي، تبقى الدولة واقفة على قدميها.
لذلك، فإن الدفاع عن الجيش اللبناني ليس دفاعًا عن شخص، بل عن مؤسسة هي الركيزة الأخيرة للاستقرار في بلد أنهكته الانقسامات.
قد يختلف اللبنانيون على كل شيء… لكنهم يلتقون دائمًا عند جيش واحد، جيش لبنان.

زر الذهاب إلى الأعلى