Featuredأخبار محلية

سقفٌ سياسيّ حاسم: لماذا أصبحت مبادرة عون ضرورة لا تحتمل الاعتراض؟

سعد شعنين
في لحظة لبنانية شديدة التعقيد، اختار الرئيس جوزف عون أن يرفع السقف السياسي إلى مستوى غير مسبوق، عبر طرح مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل كخيار مطروح على الطاولة. هذا الطرح لم يأتِ من باب المناورة أو تسجيل النقاط، بل يعكس تحوّلاً عميقاً في قراءة الواقع، حيث لم يعد بالإمكان إدارة الأزمات بالأدوات القديمة نفسها، ولا الاستمرار في سياسة الانتظار القاتل.

ما يميّز هذه المبادرة أنها تنطلق من اعتراف صريح بحقيقة موازين القوى. فلبنان، الذي يواجه انهياراً اقتصادياً ومالياً غير مسبوق، لم يعد يمتلك القدرة على تحمّل كلفة أي مواجهة عسكرية واسعة. إن الفارق في الإمكانات العسكرية والتكنولوجية مع إسرائيل لم يعد تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل بات عاملاً حاسماً يفرض نفسه على أي حسابات واقعية. وبالتالي، فإن الاستمرار في خطاب المواجهة المفتوحة دون أفق سياسي واضح، لا يعني سوى دفع البلاد نحو مزيد من الدمار والخسائر البشرية.
من هنا، يمكن فهم هذا الطرح كخيار اضطراري لا كخيار تفضيلي. فالدول، عندما تصل إلى حافة الخطر الوجودي، تعيد ترتيب أولوياتها على أساس حماية شعبها واستقرارها، لا على أساس الشعارات أو الحسابات الضيقة. والتفاوض، في هذا السياق، لا يُفهم كتنازل، بل كأداة من أدوات إدارة الصراع، وربما كمدخل لتفادي الأسوأ. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التفاوض لا يلغي الحقوق، بل يفتح مسارات جديدة لاستعادتها بوسائل مختلفة.
لكن أهمية مبادرة جوزف عون لا تقتصر على بعدها الخارجي، بل تمتد إلى الداخل اللبناني نفسه. فهي تضع القوى السياسية أمام اختبار حقيقي: هل الأولوية هي الحفاظ على الثوابت بالشكل الذي كانت عليه، أم إعادة تعريف هذه الثوابت بما ينسجم مع مصلحة لبنان اليوم؟ وهل يمكن الاستمرار في الانقسام الداخلي الحاد حول قضايا مصيرية، فيما البلاد تقترب أكثر فأكثر من حافة الانهيار الشامل؟

إن الاعتراض على هذا الطرح، رغم مشروعيته في بلد ديمقراطي، يصبح إشكالياً عندما لا يقترن ببديل واضح وقابل للتنفيذ. فرفض التفاوض يطرح سؤالاً بديهياً: ما هو الخيار الآخر؟ هل هو القبول بحالة استنزاف مفتوحة؟ أم الرهان على متغيرات إقليمية لم تعد موجودة ؟ أم الاستمرار في إدارة الأزمة من دون أفق، بانتظار انفجار أكبر؟ في كل هذه الحالات، يدفع لبنان الثمن الأكبر، فيما تتراجع قدرته على الصمود يوماً بعد يوم.
الأخطر أن بقاء الوضع على ما هو عليه لم يعد خياراً حيادياً، بل تحوّل بحد ذاته إلى قرار يحمل كلفة مرتفعة. فكل تأخير في اتخاذ خطوات جريئة يفاقم الأزمة الاقتصادية، ويزيد من هشاشة الوضع الأمني، ويفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة. لذلك، فإن رفع السقف السياسي في هذا التوقيت لا يُعد مغامرة، بل محاولة لفرض مسار جديد قبل فوات الأوان.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى مبادرة الرئيس جوزف عون كجزء من إعادة تموضع أوسع، يسعى إلى إخراج لبنان من موقع المتلقي للأحداث إلى موقع المبادر، ولو ضمن هامش ضيق. فالتاريخ يُظهر أن الدول التي تنتظر الحلول من الخارج غالباً ما تدفع أثماناً أعلى من تلك التي تحاول صياغة خياراتها بنفسها، حتى في أصعب الظروف.

قد يكون هذا الطرح صادماً، وربما غير مألوف في السياق اللبناني، لكنه يعكس حقيقة لا يمكن تجاهلها: لبنان لم يعد يملك ترف الوقت ولا ترف الخيارات المفتوحة. وبين الاعتراض والموافقة، تبقى الأولوية لإنقاذ البلد من حرب غير متكافئة ومن انهيار متسارع. ومن هذا المنطلق، يتحوّل التفاوض من خيار سياسي قابل للنقاش إلى ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، ولا تحتمل الرفض من دون بدائل واقعية.

زر الذهاب إلى الأعلى