Featuredأخبار محلية

لا تمديد لبراءة ذمة “ألفا” و “تاتش”

لوسي بارسخيان – “نداء الوطن”

بينما يخوض لبنان معركة فرض شرعية الدولة منذ أسابيع، تدور على المستوى العمالي معركة من نوع آخر، انطلقت شرارتها منذ أشهر إثر قرار صدر عن مجلس الوزراء، مدّد لبراءة ذمة شركتي الاتصال الخليوي “ألفا” و “تاتش” الصادرة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بقرار استثنائي.

أثار قرار الحكومة إثر صدوره في تشرين الأول من العام الماضي، اعتراض: نقابة عمال الشركتين، الاتحاد العمالي العام، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث طعن كل من هذه المؤسسات به أمام مجلس شورى الدولة. فأصدر الأخير مؤخرًا قراره القضائي بوقف تنفيذه.

الشركتان ليستا حسنتي السلوك

إذًا، “لا تمديد لبراءة الذمة” من الضمان الاجتماعي لشركتي “ألفا” و”تاتش”. وتعتبر براءة ذمتهما الحالية منتهية الصلاحية بين تاريخي 2024/11/28 و 2024/11/21. وهما بالأساس لم تتمكنا من تجديدها، بسبب شكاوى ضد الشركتين حرّكت بحقهما الجهاز التفتيشي في الصندوق، نتيجة لتراكم الاشتراكات والتسويات غير المسددة.

فمستند هذه البراءة لا يمنح إلا لحسن سلوك المشغل، حتى لو كانت الدولة، في تزويد الأجراء الذين استحق سحب تعويض نهاية خدمتهم من الصندوق، بالمستندات الإلزامية التي تمكنهم من تقديم طلباتهم، كما وتسديد الاشتراكات المتوجبة، وهذا ما لم تفعله الشركتان عمليًا منذ نحو سنتين.

مشكلة متوارثة

“نداء الوطن” التي تابعت تفاصيل هذه القضية منذ صدور قرار مجلس الوزراء، حصلت على نسخة من قرار مجلس شورى الدولة، والذي استند في قبوله الطعن بقرار الحكومة، إلى المراجعات الثلاث، وأيّد ما فيها، ولا سيما لجهة “اللاعدالة” التي يتسبب بها القرار بين موظفي الشركتين وسائر موظفي الشركات الخاصة، أو حتى بين موظفي الشركتين أنفسهم.

ظهرت هذه اللاعدالة بوضوح، من خلال المراجعة التي قدمتها نقابة موظفي “ألفا” و “تاتش”. فكشف طعنها أمام مجلس شورى الدولة، أن جذور امتناع شركتي الخليوي عن تزويد موظفيهما بالمستندات المطلوبة لسحب تعويضاتهم من الصندوق، تعود إلى عهد الوزير السابق جوني القرم. فحينها سددت شركتا الخليوي اشتراكات وتعويضات نهاية الخدمة لبعض الأجراء انتقائيًا واستنسابيًا. مقابل حرمان أجراء آخرين على رغم حقهم بتعويض نهاية الخدمة.

تذرعت الشركتان في تمنعهما عن تأمين المساواة بين الموظفين، بانتظار صدور قوانين ترعى موضوع تسوية تعويضات نهاية الخدمة، بعد انهيار قيمة العملة اللبنانية. هذا في وقت كان قرار الضمان الاجتماعي الصادر في شباط العام 2024 واضحًا بإخضاع الشركات كلها، ومن ضمنها تلك التابعة للدولة اللبنانية، لموجب دفع التعويضات على سعر الصرف الرسمي للدولار أي 89.500 ليرة.

الغاية لم تبرر الوسيلة

فضلت الدولة شركتي الخليوي على أرباب العمل الآخرين، عبر إعفائهما من الاستحصال على براءة ذمة من دفع اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بتاريخ استحقاقها. ولكنها بإجرائها هذا حرمت أجراء الشركتين من حق سحب تعويض نهاية خدمتهم من الصندوق، أو أقلّه أخرته لمدة سنة على الأقل، ولم تساوهم بسائر الأجراء العاملين لدى أرباب عمل آخرين، الذين قبضوا أو سيقبضون تعويضهم خلال هذه الفترة من الصندوق.

وقد علّلت الحكومة قرارها بتلافي أي عراقيل قد تؤخر إدخال المعدات اللازمة لتوسيع الشبكة وتحسين جودتها، خصوصًا أن براءة الذمة تعتبر من المستندات الأساسية والضرورية للشركات للقيام بعمليات الاستيراد.

ولكن الغاية لم تكن كافية لتبرر الوسيلة، خصوصًا أن التمديد أساء إلى المفهوم والتعريف القانوني العام لبراءة الذمة. فهي في القانون لا تمنح لأي صاحب عمل تتوجب عليه مبالغ لصالح الصندوق. وعليه لا يعتبر هذا المستند غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لحث أرباب العمل على احترام القانون ودفع الاشتراكات في مواعيدها، تحت طائلة عرقلة أعمالهم.

في المقابل، أقرّت الدولة من خلال قرارها، بأن شركتي الخليوي التابعتين لها، مقصّرتان في دفع الاشتراكات وزيادات التأخير ومبالغ تسويات تعويض نهاية الخدمة وسائر الموجبات المالية. فجاء قرار الحكومة ليزيل العوائق من أمام إفلات الشركتين من تطبيق أحكام قانون الضمان الاجتماعي وأنظمته الآمرة والملزمة والمتعلقة بالانتظام العام.

تصويب البوصلة بيد مجلس الشورى

إلا أن توقيف تنفيذ القرار من خلال مجلس شورى الدولة، أعاد تصويب البوصلة مجددًا، وخصوصًا بعد الشهية التي فتحها قرار الحكومة لدى أرباب العمل الآخرين لتعميم سابقة التمديد لبراءات الذمة على مؤسساتهم المسجلة في الضمان.

فالعدالة المنقوصة في قرار الحكومة، ترافقت مع مخاوف من تحول الاستثناء قاعدة، من شأنها أن تخلّف تداعيات كبيرة على بنية صندوق الضمان وتوازنه المالي، مع ما يمكن أن يلحقه ذلك من ضرر سواء لمستخدمي الشركتين أو للصندوق، وفقًا لما حاول طعن الضمان أمام مجلس الشورى أن يحذر منه.

حاولت الدولة التقليل من هذه التداعيات من خلال اعتبارها في اللائحة الجوابية التي رفعتها إلى مجلس شورى الدولة، أن مستند براءة الذمة بحد ذاته لا علاقة للأجير به، وإن تمديد مهلة هذا المستند لا يحرمه من حقه بالحصول على تعويض نهاية خدمته. واستندت في ذلك إلى كون قانون الضمان الاجتماعي لا يتضمن أي مادة قانونية تربط بين حق الأجير بالحصول على تعويضاته وبين دفع الشركة لمتوجباتها تجاه الصندوق.

كما اعتبرت أن القرار يمدد براءة الذمة الصادرة لشركتي الخلوي لمدة سنة واحدة، ولا يعفها من تسديد الاشتراكات المتوجبة عليهما، وإن تمديد صلاحية براءة الذمة لا يعني السماح بالتوقف عن الدفع وبالأخص دفع التعويضات، فضلًا عن أن مستند براءة الذمة لا يحرم الصندوق من حقه في استدراك ما له من أموال في ذمة الشركات. وفي حال ثبت أن الشركتين تتلكآن عن دفع التعويضات لمستخدميهما، يحق لهؤلاء اللجوء إلى القضاء المختص لتحصيل حقوقهم، كما إنه يبقى للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي اللجوء إلى الوسائل القانونية لتحصيل أمواله وصولًا إلى الحجز على أموال الشركة التي يثبت عدم تسديدها مبالغ التسوية المفروضة عليها.

ماذا عن الخطوات التصحيحية اللاحقة؟

في لائحتها الجوابية المقدمة، حاولت الدولة أيضًا أن تبرئ قرارها من الانحراف في استعمال السلطة. فاعتبرت أن المادة 65 من قانون الضمان لا تحدد أسبابًا معينة أو حالات محددة لتمديد براءة الذمة. وأن القرار اتخذ بالأساس بناء لطلب وزير الاتصالات واقتراح وزير العمل ولغايات المصلحة العامة.

غير أن رد الدولة تجاهل وفقًا للطعن المقدم من الصندوق، كون المادة نفسها من القانون سمحت “عند الاقتضاء” بتمديد مفعول براءة الذمة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، على ألّا يطبق ذلك على حالة فردية معينة بالذات وإنما بصورة عامة ومجرّدة.

إذًا، حسم مجلس شورى الدولة الجدل. وبإبطاله قرار مجلس الوزراء ثبّت مبدأ أساسيًا، وهو أنه لا يمكن للدولة، بصفتها راعيًا لمؤسسات عامة، أن تضع نفسها أو من تديرهم فوق القانون. فبراءة الذمة ليست استثناءً يُمنح عند الحاجة، بل التزام يستحق عند التنفيذ. وأي مساس بهذا المبدأ من شأنه أن يحوّل هذا المستند من أداة إلزام قانوني إلى إجراء شكلي قابل للاستثناء. وهذا لا يهدد حقوق الأجراء فقط، وإنما يفتح الباب أمام تقويض نظام الضمان الاجتماعي برمّته.

فهل تكون الخطوة التصحيحية بالعودة إلى القانون وتطبيقه بانتظام وعدالة، والأهم بما يحفظ كل الحقوق؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى