Featuredأخبار محلية

ما حقيقة إيداع قرار حظر أنشطة حزب الله لدى مجلس الأمن؟ الخارجية تكشف التفاصيل

نفت وزارة الخارجيّة اللّبنانيّة لـِ “المدن”، الشائعاتِ الّتي جرى تداولها عن أنّها أودعت لدى مجلس الأمن الدوليّ رسالة هي عبارة عن نسخةٍ رسميةٍ من قرار الحكومة الصادر في 2 آذار 2026، على نحوٍ استثنائيّ أو خارج الأصول، بما يتيح لإسرائيل استخدام هذا القرار لاحقًا كورقةٍ في المحافل الدوليّة من دون العودة إلى لبنان أو التنسيق مع مؤسّساته. وأكّدت مصادر الوزارة أنّ ما جرى، حصرًا، هو تسليم رسالتَين مساء الثاني من آذار، الأولى إلى الأمين العامّ للأمم المتّحدة، والثانية إلى رئيس مجلس الأمن، مع طلب تعميم الرسالة المرفقة بالقرار الحكوميّ الصادر في التاريخ نفسه على أعضاء المجلس، بوصفها وثيقةً من وثائق الأمم المتّحدة. ذلكَ بتكليف من رئاسة الحكومة بشخص رئيسها نواف سلام، الذي طلب من الوزراة إرسال هذه الرسالة.

وشدّدت المصادر على أنّه لم ترسَل أيَّة رسالة بعد ذلك التاريخ، وأنَّ الخطوة تمّت بالتنسيق والتكليف المباشرَين من رئاسة الحكومة، وهو ما يدخل في إطار حقّ لبنان الطبيعيّ والسياديّ في مخاطبة مجلس الأمن، وتقديم ما يلزم من وثائق رسميّة تثبّت موقفه، وتعزّز حجّته السياسيّة والقانونيّة، وتظهر أنّ الدولة تقوم بما عليها، لا أنّها تتفرّج على ما يفرض عليها.

ما الّذي جرى فعلًا؟

وفق مصادر “المدن” في وزارة الخارجيّة، فإنّ الحديث عن “إيداع” قرار الحكومة على نحوٍ سرّيّ أو مخالف للأصول هو حديثٌ لا يستند إلى الوقائع. وما حصل هو تسليم رسالتَين رسميّتَين مساء 2 آذار، لا أكثر ولا أقلّ، مع طلب تعميم الرسالة والقرار الحكوميّ المرفق بها على أعضاء مجلس الأمن. ولم يحصل أيّ إرسالٍ جديد بعد ذلك التاريخ، خلافًا لكلّ ما جرى ضخه من رواياتٍ وتلميحات.

وفي هذا السياق، حصلت “المدن” على افتتاحيّة الرسالة، وجاء فيها:

“في ضوء الأوضاع المستجدّة بالمنطقة بما في ذلك في لبنان، نودعكم ربطًا القرار الّذي اعتمده مجلس الوزراء في 2 آذار 2026 بشأن حظر الأنشطة العسكريّة والأمنيّة لحزب الله، وإلزامه بتسليم سلاحه… ولو تفضّلتم بتعميم هذه الرسالة والقرار المرفق، أي القرار الحكوميّ، باعتباره وثيقةً من وثائق الجمعيّة العامّة في إطار البند 34 من جدول الأعمال، ومن وثائق مجلس الأمن”.

أمّا الرسالة فلا تخفي شيئًا، ولا تنشئ التزامًا أو تشقّ مسارًا جديدًا خارج القرار الحكوميّ نفسه، ولا تذهب أبعد ممّا قرّرته الحكومة. إنّها تثبّت الوقائع، وتضعها في القنوات الرسميّة، وتقدّم المستند اللبنانيّ إلى المؤسّسة الدوليّة المعنيّة، وفق المصادر.

التنسيق لا الانفراد

الشائعات الّتي جرى تداولها ذهبت إلى حدّ القول إنَّ رئيس الحكومة ووزير الخارجيّة اتّخذا خطوة الإيداع لدى مجلس الأمن من دون استشارة أحد، وإنّ سائر أركان الدولة “فوجئوا” بها، وإنَّ القرار بات، بنتيجة ذلك، “ورقةً رسميّة في يد إسرائيل” يمكن استخدامها لاحقًا في مجلس الأمن من دون العودة إلى لبنان.

هذه الرواية، كما تنقل مصادر الخارجيّة، تسقط على مستويَين. أوّلًا، لأنّ ما جرى ليس أكثر من رسالة رسميّة تُعمَّم ضمن الأطر الأمميّة المعتمدة، مرفقة بالقرار الحكوميّ، وليس “تسليمًا” يجرّد الدولة من حقّها أو يمنح أيّ طرفٍ آخر صكّ تصرّفٍ باسمها. وثانيًا، لأنّ لبنان، حين يبرز أمام مجلس الأمن أنّ حكومته اتّخذت قرارًا واضحًا بحصر السلاح بيد الدولة، فإنّه لا يُضعف نفسه، بل يُظهر أنّه يقوم بما يُفترض به أن يقوم به كدولة مسؤولة تحترم الشرعيّة الدوليّة وقراراتها.

فما يُقدَّم إلى مجلس الأمن من وثائق رسميّة لا يتحوّل تلقائيًّا إلى أداة بيد أيّ دولة ضدّ لبنان، بل يبقى جزءًا من السجلّ الّذي يستخدمه لبنان أيضًا في الدفاع عن نفسه، وفي المطالبة بمقاربةٍ دوليّة تنطلق من حقيقة أنّ الدولة اللبنانيّة تقوم بواجباتها، لا أنّها تتخلّى عنها.

لماذا يفيد لبنان أن يعمِّم هذه الوثيقة؟

وتؤكّد مصادر الوزارة أنَّ هذا الإجراء لا يخدم إسرائيل كما حاول البعض أن يروّج، بل يخدم سيادة الدولة اللبنانيّة. فلبنان، حين يخاطب مجلس الأمن، لا يفعل ذلك من باب التبرير أو الضعف، بل من باب تثبيت حقّه. وهو، حين يرفق رسالته بقرارٍ حكوميّ واضح، إنّما يقول للمجتمع الدوليّ إنَّ الدولة اللبنانيّة ليست غائبةً عن مسؤوليّاتها، بل اتّخذت موقفًا رسميًّا بحظر الأنشطة العسكريّة والأمنيّة الخارجة عن القانون، وبحصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبنانيّ.

هذا يعزّز موقع لبنان عندما يطالب بالإجلاء والاحتواء ووقف الاعتداءات، وعندما يطالب بمساندةٍ دوليّة، وعندما يقول إنّه يريد أن يخرج البلاد من الحرب الّتي ورِّطت فيها. فالحجّة لا تبنى في مجلس الأمن بالخطابات وحدها، بل بالمستندات والقرارات والوقائع. ومن هنا، يصبح تعميم القرار الحكوميّ ورقةً في يد لبنان، لا ورقةً عليه، وفق ما أشارت المصادر.

وتلفت المصادر إلى أنَّ هناك أصلًا قراراتٍ دوليّةً صادرة عن مجلس الأمن، مثل القرار 1701 والقرار 1559، تنصّ على أمورٍ واضحة. وفي رسالته، يؤكّد لبنان أنّه يحترم هذه القرارات، والدليل أنّ الحكومة اتّخذت القرار المذكور بالذات. وهذا يعني أنّ الدولة تحاجج من موقع الالتزام بالشرعيّة، لا من موقع التهرّب منها.

وأُثير أيضًا كلامٌ عن “مخالفة دستوريّة” و”التفاف على الأصول”، استنادًا إلى أنّ قرار مجلس الوزراء، بحسب ما قيل، لم يتضمّن نصًّا صريحًا يُكلّف وزارة الخارجيّة إيداعه لدى مجلس الأمن. لكنّ هذا السجال، على أهميّته، لا يجوز فصله عن الأصول العمليّة لإدارة السياسة الخارجيّة، ولا عن صلاحيّات رئاسة الحكومة في توجيه العمل التنفيذيّ والتنسيق مع وزارة الخارجيّة في ما يتّصل بالمراسلات الرسميّة الّتي تخدم موقف الدولة.

الوقائع، وفق رواية الخارجيّة، تُفيد بأنّ الخطوة لم تكن ارتجالًا، ولم تحصل خارج التوجيه السياسيّ المباشر، ولم تتجاوز حقّ لبنان في التخاطب مع الأمم المتّحدة. أمّا تصويرها كأنّها “مؤامرة داخليّة” أو “كمين دستوريّ” أو “انقلاب على الحكومة من داخلها”، فهو أقرب إلى الاستثمار السياسيّ منه إلى النقاش المؤسّسيّ الرصين.

بتول يزبك – المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى