هل يقلق لبنان من التوتر الأميركي – الأوروبي؟

روزانا بومنصف – “النهار”
يواجه لبنان غموضا مقلقا مع ترجيحات لرفض إيران مقترحات وقف النار لأسباب متعددة، يعزوها متصلون بخبراء في واشنطن إلى صعوبة مواجهة إيران الارتدادات الداخلية بعد وقف النار في ظل مرجعية ممسكة بالقرار الإيراني، وهو ما سيفتح الأبواب على تصعيد إضافي، أقله وفق التهديدات المعلنة.
هذا الغموض يتناول جوانب عدة من المأزق نتيجة الحرب بين “حزب الله” وإسرائيل يطاول استمرار الحرب وانعكاساتها المتدحرجة، وبدا أخيرا يطاول المخاوف التي أثارها التوتر بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية على خلفية موقف الأخيرة من عدم الانخراط في إيجاد مخرج لمضيق هرمز، الأمر الذي يرتب تداعيات على لبنان، أقله من باب إمكان مساعدته أوروبيا ولاحقا من باب مساهمة هذه الدول في قوة عسكرية تتمركز على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية بديلا من “اليونيفيل” التي تنتهي مهماتها نهاية السنة الجارية.
الموقف الأوروبي من مضيق هرمز وامتناع دوله الأساسية عن دعم الولايات المتحدة أو المساهمة في إيجاد مخارج، بدا بالنسبة إلى كثير من المراقبين مرتبكا ويكرّس ضعف أوروبا وهامشيتها. وهذا التقويم لا يأتي من باب موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حربه على إيران، لا سيما أن العلاقات بينه وبين دول الاتحاد شهدت توترات كبيرة على خلفية فرض ترامب رسوما جمركية عشوائية وعدم دعم أوكرانيا وأوروبا، بالإضافة إلى فتح ملفات كالرغبة في السيطرة على جزيرة غرينلاند أو الانسحاب من الناتو وتذرع الدول الأوروبية بأن الحرب مع إيران ليست حربها هي.
ولقد كانت هذه فرصة لإظهار تمايزها، إنما في ضوء الاعتبارات السابقة. إذ إن الرؤية لهذه المسألة تستند إلى خلفية أن إيران تسببت ولا تزال بمشكلات كبيرة للمجتمع الدولي وليس للولايات المتحدة تحديدا، ما يوجب على الأقل المشاركة في استراتيجية دولية، ليس لمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على إيران، بل لعدم السماح لإيران بالتحكم في هذا المضيق الحيوي بقوة، لأوروبا ولدول آسيا، أكثر بكثير مما هو للولايات المتحدة.
ويرى بعض هؤلاء أن أوروبا طغى عليها شغور الرغبة في الانتقام من الرئيس الأميركي بالذات، لا سيما في ضوء رهانات على الانتقادات الأميركية الداخلية لحربه على إيران وتهور قد يدفع ثمنه في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، ما قد يعرضه لخطر عزله، ويسمح باستعادة الولايات المتحدة كما كانت سابقا. وإذا استطاع الرئيس الأميركي قلب الأمور وتحقيق الهدف الذي يريده من إيران تماما على غرار التفوق الذي أبرزه للقدرات الأميركية في استعادة الطيارين اللذين سقطت طائرتهما في إيران، فسيكون مهما معرفة ردة فعله على علاقاته بالدول الأوروبية التي ستعاني في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية تداعيات لا تقتصر على قطاع الطاقة، في ظل انقسامات أوروبية كبيرة كانت عائقا للتوافق على مقاربة لتحييد مضيق هرمز أو فتحه.
هل يجب أن يقلق لبنان من انعكاسات التوتر الأميركي – الأوروبي، خصوصا أن فرنسا فشلت في وقت لاحق في كبح جماح الحرب، ولا تزال مستمرة في حصد أيّ دعم لخطتها أو “اللاورقة” التي عرضتها حول اتفاق بين لبنان وإسرائيل؟ والأمر نفسه ينسحب على عقبات لاستمرار باريس، من ضمن لجنة “الميكانيزم”، إلى جانب الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل.
غياب الديبلوماسية النشطة من لبنان إلى الخارج الأوروبي في هذه المرحلة الصعبة التي يعتبرها البعض أصعب من ظروف حرب 2006 وأضيق أفقا من حرب 2024 نتيجة الانشغال الخليجي العربي بحرب إيران على دول المنطقة، يبدو لافتا جدا للمراقبين على خلفية الاقتناع بأن الدول الأوروبية عاجزة راهنا عن أن تكون فاعلة، علما أن الأمر يحتمل الجدل من زاوية أن لبنان يحتاج إلى أيّ منصة ممكنة تساعده أو تقرّبه أكثر من الانفتاح على قنوات أميركية متعددة قادرة بدورها على الضغط على إسرائيل.
ومع معاناة لبنان من حرب دُفع إليها على خلفية الثأر لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وانتظار كلمة كل من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في هذا الإطار، لا تبدو كلمة أوروبا مسموعة أو مؤثرة، وهو ما يُخشى معه من ارتدادات كبيرة في المرحلة المقبلة على مستويات متعددة، ما لم تكن هذه الدول الثلاث في حاجة إلى لاعب أوروبي يكون بمثابة منطقة عازلة.




