أخبار محلية

لبنان عيْنه على ثلاثاء التفاوض المباشر مع اسرائيل وانتزاع الهدنة

الراي- بين المواجهة بالنار على جبهة «حزب الله» – إسرائيل التي يحاول لبنان إخمادَها بـ «أحْلى المُرّيْن» أي المفاوضات المباشرة غير المسبوقة منذ أكثر من 4 عقود مع تل أبيب، والمواجهةُ الدبلوماسية مع إيران واسمُها الحَرَكي «لا أحد يفاوض عنا» على طاولة إسلام أباد، والمواجهة الداخلية التي «شَحَذَ سكاكينَها» الحزبُ عبر تحريك الأرض ضدّ الحكومة ورئيسها نواف سلام وبـ «إسنادٍ» ضِمْني من طهران… بدتْ «بلاد الأرز»، مُحاصَرةً بالفتائل من كل الجهات والجبهات وكأنها على مَشارفِ مرحلة مفصلية وشديد الخطورة تتشابك فيها تعقيدات الحرب والغليان الداخلي مع «المسرح الأمّ» الذي تشكّله المفاوضاتُ الأميركية – الإيرانية الفاصلة في باكستان.

وفي وقت كانت الأنظارُ على الاجتماعِ التمهيدي الأول للمفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب الذي سيُعقد في وزارة الخارجية الأميركية، الثلاثاء، على مستوى السفراء «للبحث في الإعلان عن وَقْفٍ للنار وموعد بدء التفاوض بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية»، وذلك بعد جولةٍ هاتفية «افتتاحية» على المستوى نفسه (السبت)، خَطَفَتْ العاصمةُ اللبنانيةُ الأضواءَ والأنفاسَ لليوم الثاني على التوالي بعدما وجدت نفسها وبعد أقلّ من 24 ساعة على استباحتها من اسرائيل والمجازر المروعة التي ارتكبها طيرانها الحربي تواجه استباحةً من مناصري الحزب استمرّتْ السبت، وبدت مُدجَّجةً بأبعاد تطلّ على المَشهد الأكبر في إسلام آباد ومحاولةِ «بلاد الأرز» السير بين ألغام الحرب والدبلوماسية والنفاذ بورقة لبنان وإبقائها بمنأى عن «دفتر المقايضاتِ» الذي تُمْسك به طهران.

فعلى خلفيةِ قرار الحكومة غداة المجازر الاسرائيلية في العاصمة بجعْل محافظة بيروت منزوعة السلاح (الإيعاز بتنفيذ حصر السلاح في نطاقها)، وملاقاة بنيامين نتنياهو – على وهج ارتداداتِ «الأربعاء الأسود» وما قابَلها من غضبةٍ كُشف أن الرئيس دونالد ترامب عبّر عنها في اتصال متوتر مع رئيس الوزراء الاسرائيلي – مبادرةَ الرئيس اللبناني العماد جوزف عون، لمفاوضاتٍ مباشرةٍ لوقف الحرب تبدأ بوقْف النار، بدأ «حزب الله» ما يشبه عملية انقضاضٍ على السلطة عبر قَضْمٍ متدرّج لأمن بيروت وأمان ناسها وساعياً لجعل ما وصفه بـ «حكومة الاستسلام والتنازلات والخطايا» تَمْشي على أرض تهتزّ تحت أقدامها عبر إعطائه إشارة أن القرار بالارتداد على الداخل اتُّخذ ويبقى تحديد التوقيت لـ… التنفيذ.

تهديد بـ «تسونامي»

وفيما كان لبنان الرسمي يَسعى لـ «شَبْكِ» البلاد مع مسار التهدئة الذي انطلق على جبهة إيران، وفي الوقت نفسه فَصْلَ مصير الوطن الصغير عنها على قاعدة أن يكون وَقْفُ النار على جبهته من ضمن سياقٍ خاص وقالَب مفاوضاتٍ تشكّل في ذاتها انعكاساً للتحولات العميقة في الواقع اللبناني منذ انتخاب عون رئيساً وتشكيل سلام الحكومة الحالية وعلى أن يكون للدولة وحدها «التحكّم والسيطرة» عليها، رَفَع الحزب البطاقة الصفراء بوجه الحكومةِ واضعاً إياها «بين نارَيْن»:

– التهديدِ بـ «تسونامي شعبي يَجْرِفها وخطاياها السياسية بعد الحرب، كما توعّد القيادي فيه محمود قماطي (صهر الشيخ نعيم قاسم)».

– والمجاهرة بأن الدولة «لا تملك قرارَها في المفاوضات» وأن ما ستلتزم به فيها «لن يُطبّق» و«لن تحصد من قراراتها سوى الخيبة والخسران»، بحسب النائب حسن فضل الله، وذلك قبل أن تدعو قيادتا الحزب وحركة «أمل» في بيروت «لعدم التظاهر في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها البلد».

ورغم هذا التدارُك، فقد تَعاطَتْ أوساطٌ مطلعة مع ما شهدتْه بيروت الجمعة خصوصاً من مَظاهر فلتان و«عرض عضلات» في الشارع وتخوينٍ سافِرٍ لسلام والتعرُّض له ولعون وصولاً لرفْع العَلَم الإيراني قبالة السرايا الحكومية، على أنه صدى لِما سَبَقَ مفاوضاتِ إسلام آباد التي شهدت على تُخومِها محاولةً من طهران لجعْل لبنان ورقة بيدها على الطاولة، وأحد أبواب «الأخذ والردّ»، عبر عنوانِ وحدة وَقْفِ النار على كل الجبهاتِ وذلك في سياق ترتيبِ الأوزان لمقارعة بند التخلّي عن دعْم وكلائها في المنطقة المدرَج على لائحة التفاوض.

لا فصل للجبهتين

وهذا الربط، حرصتْ تل أبيب على قَطْعِ الطريق عليه عبر الرفض القاطع لوقف نارٍ بالتوازي على جبهةِ لبنان، أي فَصْلِ الجبهتين، وهو ما لاقتْها فيه واشنطن بتغطيتها بلسان دونالد ترامب موقف نتنياهو بأن اتفاق الهدنة مع إيران لا يشمل حزب الله، قبل أن تَفرض الغاراتُ المتوحّشة على بيروت ومناطق أخرى (الأربعاء) وحصيلتها التي تجاوزت 350 ضحية و1300 جريح، على رئيس الوزراء الاسرائيلي الانتظامَ تحت سقفٍ رَسَمه الرئيس الأميركي لحماية مسار إسلام اباد من دون مَنْحِ طهران قوة تأثير عبر ورقة الحزب، فكان خيارُ «تخفيف وزن» الجمهورية الاسلامية و«حقيبتها»على الطاولة عبر وضْع هذه الورقة في «وعاءٍ» سَبَقَ للدولة اللبنانية أن أرستْه ولكن تل ابيب أدارتْ الظَهْرَ له وهو المفاوضاتُ المباشرة التي دعا إليها عون قبل شهر.

وفيما جاء المسار الدبلوماسي على خط بيروت – تل أبيب ليكرّس الفصل الكامل بين لبنان وإيران، بالنار إذا استمرّتْ أو بوقْفها اذا حصلت الهدنة وهو ما سيكون في كنف مفاوضات منفصلة ولها أطرها ومرجعيتها الخاصة، فإن طهران وجدت نفسها في مواجهة الأبعاد العميقة لسحْب ورقة «بلاد الأرز» من يدها، وهي الأبعاد التي لا يخفّف من وقْعها أن نتنياهو «اضطر» للموافقة على فتْح باب التفاوض مع لبنان، من دون أن تتغيّر مرتكزات رفضه لذلك على امتداد الأسابيع الماضية، وأبرزها أن بيروت لا تملك ورقةَ سحْبِ السلاح في ضوء عدم قبولها بنزْعه بالقوة ورفض الحزب تسليمه طوعاً.

وإذ حرص «حزب الله» على تذكير الدولة اللبنانية واسرائيل بأنّ الأولى لا تملك قرارها في بند السلاح الذي يبقى القفل والمفتاح بالنسبة لاسرائيل، لم يكن عابراً تَعَمُّد إيران الدخول النافر على خطِّ مهاجمة سلام على خلفية ملف التفاوض ومخاطبته بلغة «على»، كما فعل مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي الذي كتب عبر «إكس»: «في بيروت، على رئيس الحكومة نواف سلام أن يعلم أن تجاهل الدور الفريد للمقاومة وحزب الله البطل، سيضع لبنان في مخاطر أمنية لا يمكن تعويضها، استقرار لبنان لا يتحقق إلا من خلال تكامل الحكومة والمقاومة».

وأبدت الأوساط نفسها خشيةً من أن يكون دعْم إيران لارتقاء الحزب بالوضع الداخلي الى حافة توتيرٍ ولو مُبرْمَج من عُدّة توجيه الرسائل، من بيروت الى اسلام اباد، بأن الإمرة في بلاد الأرز ما زالت لطهران ولو على حساب اللعب باستقرارها الداخلي حين تريد ذلك، رغم الانطباع بأنّ مآلات المفاوضات الإيرانية – الأميركية ستحدّد اتجاهات الريح في لبنان على هذا الصعيد:

– فإذا انهارتْ المفاوضات وعادت الحرب يكون هناك مصلحة في أن يبقى المسرح اللبناني في دائرة الهدوء كي يتسنّى للحزب استئناف الإسناد العسكري.

– وإذا أرست هذه المفاوضات الطريق لاتفاقٍ دائم، فإن الحزب وإيران من الخلف، أحْدثَ عبر طلائع التصعيد في الشارع، رَبْطَ نزاعٍ مع تسخين لا مفرّ منه – وربما يكون خلال أي مرحلة وقف نار – إذا كان خياره تسييل ما بقي من سلاحه على مستوى كعكة الحُكم، وذلك بمعزلٍ عن الاقتناع بأنّ ظروف اليوم تختلف جذرياً عنها في 2008، سواء لجهة وجود الحزب في مرمى حرب اسرائيلية لن تتوقف كما تقول تل ابيب قبل ضمان سحب سلاحه، وفقدانه الظهير الاستراتيجي الذي كان يشكله نظام بشار الأسد، ناهيك عن الوضع الداخلي المحفّز ضدّه في ضوء ما استجره على البلاد منذ 2024 وبيئته المنهكة.

ولم يكن أدلّ على استشعار لبنان الرسمي بحراجة اللحظة الداخلية من إعلان رئيس الحكومة أنّه «في ظلّ الأوضاع الدّاخليّة الحاضرة، وحرصاً على القيام بواجبي كاملًا في الحفاظ على أمن اللّبنانيّين ووحدتهم، قرّرتُ تأجيل سفري إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة، لمتابعة عمل الحكومة من بيروت»، علماً بأن سلام كان مقرراً أن يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الخميس المقبل، ونُقل عن أوساطه أنه أرجأ الزيارة لمتابعة تنفيذ الخطة الأمنية لمنْع الفتنة واستعمال الشارع من أي طابور خامس في فترة دقيقة لا تحتمل سوء تقدير المزايدين.

وإذ كان وزير الداخلية أحمد الحجار، أعطى إشارةً لخطورةِ ما يُعتقد أنه يُحاك للدولة والحكومة، بقوله الجمعة «لا خيار إلا بالعودة إلى الدولة. ويُحكى عن هجوم على بيروت والسيطرة على مرافق الدولة إلخ… هذا إذا حصل لا يخدم إلا اسرائيل»، أعلنت قيادة الجيش قبل التحرك الذي دُعي اليه عصراً قبالة السرايا أنه «في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على مختلف المناطق اللبنانية، وتزايُد التحديات التي تواجهها البلاد، برزت في الآونة الأخيرة دعوات للمواطنين تحثهم على التجمع والاحتجاج سعيًا إلى تحقيق عدة مَطالب».

وتابعت أن «قيادة الجيش، إذ تؤكد احترامها لحقّ التعبير السلمي عن الرأي، تحذّر بشدّة من أيّ تحرّك قد يعرّض الاستقرار والسلم الأهلي إلى الخطر، أو يؤدي إلى الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة. كما تُشدد على أنّ الجيش سيتدخل بحزم لمنع أي مساس بالاستقرار الداخلي، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى أعلى درجات الوعي والمسؤولية. كذلك تدعو القيادة المواطنين إلى التجاوب مع توجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة».

وقبل ذلك، عقد عون اجتماعاً حضره وزير الدفاع ميشال منسى ووزير الداخلية عرضت خلاله الأوضاع الأمنية والاجراءات التي يتخذها الجيش وقوى الأمن الداخلي والأجهزة الأمنية الاخرى لتعزيز الاستقرار ومنع الإخلال بالأمن.

كما تطرق البحث إلى الخطة الأمنية التي تنفذ في بيروت خصوصاً لجهة الاهتمام بأمن مراكز الإيواء والموجودين فيها.

المفاوضات في واشنطن

ولم تحجب هذه التطورات المتأججة الأنظار عن ملف التفاوض مع اسرائيل الذي بدأت مرحلته الاستطلاعية الجمعة، عبر اللقاء الثلاثي الهاتفي الذي جمع سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوّض، وسفير إسرائيل في واشنطن يحئيل ليتر، إضافة إلى السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى.

وتُستكمل المرحلة التمهيدية من المفاوضات بلقاء مباشر الثلاثاء بين السفراء الثلاثة، تحت سقف ما أعلنه مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية من أنه «بناء على المبادرة التي أطلقها الرئيس عون والتي ترتكز على العمل الدبلوماسي من خلال الإعلان عن وقف للنار والذهاب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، وبعد الاتصالات الدولية والعربية التي اجراها في ضوء تصاعد الاعتداءات الاسرائيلية، قررت الإدارة الأميركية تكليف وزارة الخارجية القيام بدور الوسيط بين لبنان واسرائيل. وتنفيذاً لذلك، وبناء على توجيهات الرئيس عون للسفيرة اللبنانية في واشنطن، تم إتصال هاتفي عند التاسعة مساء الجمعة بتوقيت بيروت، هو الأول بين لبنان ممثلاً بسفيرته في واشنطن وإسرائيل ممثلة بسفيرها في واشنطن، وبمشاركة سفير الولايات المتحدة في بيروت الموجود في واشنطن. وتم خلال الاتصال التوافق على عقد اول اجتماع يوم الثلاثاء المقبل في مقر الخارجية».

وبدا من غير الممكن الجزم بمآلات هذه المفاوضات، وخصوصاً مفتاحها أي وقف النار، وسط تأكيد سفير اسرائيل في واشنطن أن بلاده ليست في وارد الهدنة، والانطباع بأن نتنياهو ربما يكون في وارد الحفاظ على خفض التصعيد في بيروت مع الإبقاء على الوتيرة نفسها في جنوب لبنان خصوصاً حيث يمضي في توغل بري بلغ أجزاء من بنت جبيل وشهد الجمعة مجزرة في مقر السرايا الحكومية في مدينة النبطية حيث سقط 13 عنصراً من جهاز أمن الدولة بغارة مروعة.

ونقلت قناة «الحدث» عن مصدر رسمي لبناني أنّ «مفاوضات ستكون على مستوى السّفراء»، موضحاً أنّ «هدف جولة الثلاثاء تثبيت وقف النّار كمقدّمة لانطلاق المفاوضات».

ولفت إلى أنّ «السّفير سيمون كرم سيترأس وفد لبنان إذا تمّ الاتفاق على هدنة مع إسرائيل»، مبيّناً أنّ «عناوين التفاوض ستشمل سلاح حزب الله وانسحاب إسرائيل وإطلاق الأسرى والحدود»، كاشفاً عن «ضمانات أميركيّة بتحييد بيروت عن الغارات حتى الثلاثاء».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى