لا وقف للنار… بل بدء للتفاوض!؟

في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عقود، انعقد في واشنطن لقاء ثلاثي جمع وفدين لبناني وإسرائيلي برعاية أميركية، في محطة وُصفت بأنها تمهيدية، لكنها حملت في تفاصيلها ما يتجاوز الشكل إلى رسم ملامح المسار التفاوضي المقبل، وتحديد سقوفه السياسية والأمنية.
الاجتماع الذي استمر أكثر من ساعتين، خلافاً لكل التوقعات التي سبقته، لم يكن جولة تفاوض مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بل جلسة تأسيسية لوضع إطار أي مفاوضات مستقبلية. غير أن دلالاته السياسية، وتوقيته المتزامن مع تصعيد ميداني في الجنوب، جعلاه أقرب إلى إعلان إنطلاق مسار تفاوضي مباشر، تُرسم حدوده في واشنطن وتُختبر نتائجه على الأرض.
مداولات ترسم الإطار، لا النتائج
في عمق الاجتماع، تمحورت المداولات حول إطلاق مسار تفاوضي منظم، لا حول التوصل إلى اتفاق. وبرزت خلال النقاش ثلاثة محاور أساسية:
• موقع وقف إطلاق النار ضمن المسار التفاوضي
• العلاقة بين المسار السياسي والتصعيد الميداني
• فصل الملف اللبناني عن أي مسارات إقليمية
في هذا السياق، شدد وزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو على الفصل الكامل بين المسارين الإيراني واللبناني، مؤكداً أن لبنان لن يكون جزءاً من أي تسويات إقليمية. كما أعاد طرح ملف سلاح حزب الله باعتباره أولوية، معتبراً أنه لا يمكن القبول بأي دور عسكري له مستقبلاً.
في المقابل، حاولت واشنطن تقديم حوافز موازية، من خلال الإعلان عن تخصيص نحو 60 مليون دولار كمساعدات للنازحين اللبنانيين، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط الإنساني، وإيجاد بيئة أكثر ملاءمة لأي مسار تفاوضي.
لبنان مع وقف النار وإسرائيل ترفض
الموقف اللبناني، الذي عبّرت عنه السفيرة ندى حمادة معوض بتكليف رئاسي واضح، تمحور حول أولوية وقف إطلاق النار. وخلال مداخلتها، شددت على:
• ضرورة العودة إلى إتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024
• التأكيد على سيادة الدولة اللبنانية
• الدعوة إلى وقف إطلاق النار وعودة النازحين
• اتخاذ إجراءات إنسانية عاجلة
في المقابل، جاء الرد الإسرائيلي رافضاً لهذا الطرح. إذ أكد السفير الإسرائيلي أن لا علاقة بين الحرب التي تخوضها بلاده ضد حزب الله ومسار التفاوض مع الدولة اللبنانية، مشدداً على أن “أمن سكان الشمال غير قابل للتفاوض”، وأن العمليات العسكرية ستستمر إلى حين إزالة هذا التهديد.
هذا التباين كشف جوهر العقدة: لبنان يريد التهدئة أولاً ثم التفاوض، وإسرائيل تريد التفاوض تحت النار، مع استمرار العمليات.
لكن بالرغم من ذلك، برز تقاطع حول هدف استراتيجي: التوصل إلى اتفاق طويل الأمد على جانبي الحدود. وهو ما يفسر الإصرار على إطلاق مسار تفاوضي، ولو تدريجياً، حتى في ظل التصعيد، بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل..
أما لبنان، فيسعى إلى تثبيت الاستقرار في الجنوب، بما يوازي مطلب وقف إطلاق النار، ويمنع تحويل التفاوض إلى غطاء لاستمرار العمليات العسكرية.
بالرغم من غياب أي إتفاق واضح حول وقف إطلاق النار، خرج الاجتماع بنتيجة أساسية: إطلاق مسار تفاوضي سيتم تحديد زمانه ومكانه وترتيباته لاحقاً.
في بيروت، وُضعت رئاسة الجمهورية في أجواء الاجتماع بالتفصيل، عبر تواصل مباشر بين السفيرة معوض ورئيس الجمهورية، من دون أن يصدر أي بيان عن القصر الرئاسي يحدد الموقف من نتائج الاجتماع والبيان المشترك الذي صدر عنه والذي كرّس إطلاق مسار تفاوضي مباشر، وخلا من أي إشارة إلى وقف إطلاق النار أو تهدئة مؤقتة، رغم الطرح اللبناني الواضح في هذا الاطار.
مسار يعكس توازنا دقيقا، يجعل من كل جولة مقبلة اختباراً مزدوجاً، لقدرة الدبلوماسية على كبح الميدان، ولقدرة الميدان على فرض شروطه على الطاولة. فلقاء واشنطن يشكل بداية مسار تفاوضي طويل، معقد، ومفتوح على كل الاحتمالات..
ندى أندراوس – المدن




