أخبار محلية

العام الدراسي مُعلّق على أزمة مفتوحة

لا يبدو المشهد التربوي في لبنان محكوماً بروزنامة واضحة بقدر ما هو رهينة احتمالات مفتوحة، في ظل الغموض الذي يلفّ الواقع الأمني وانعكاساته على الحياة اليومية. ومع اقتراب مواعيد الاستحقاقات المفصلية، يتصاعد القلق لدى الطلاب والأهالي، وسط أسئلة مُلحّة حول مصير العام الدراسي، وتقليص المناهج، وشكل الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة وشهادة الثانوية العامة.

ورغم ما تشير إليه وزارة التربية من إنجاز نحو 18 أسبوعاً من أصل 24، تؤكد مصادر تربوية أن هذه الأرقام أقرب إلى تقديرات نظرية منها إلى واقع فعلي. فالتفاوت بين المناطق كبير، ولا سيما في المدارس الرسمية، حيث يُرجّح، في بعض الحالات، ألّا يتجاوز الإنجاز الفعلي 12 أسبوعاً، بفعل الإضرابات والانقطاعات والظروف الأمنية التي عطّلت انتظام التعليم، خصوصاً في المناطق الحدودية والقرى الأكثر تضرّراً.

ولا يقتصر التفاوت على الجغرافيا، بل يطاول بنية التعليم نفسها، إذ ينقسم المشهد اليوم إلى أربع فئات: مدارس في مناطق آمنة تعتمد التعليم الحضوري، وأخرى تحوّلت إلى مراكز إيواء وتعتمد التعليم عن بعد، وثالثة تستقبل طلاباً نازحين يتابعون دراستهم حضورياً في مدارس أخرى، ورابعة تقع في مناطق غير آمنة وتكتفي بحد أدنى من التعليم عبر الوسائل المُتاحة.

وبين هذه الأنماط، يبرز شبه إجماع على أن التعليم عن بعد، عبر المنصات التعليمية (تيمز وغوغل ميت، زووم…) أو التطبيقات (واتساب وغيره)، لم ينجح في التحوّل إلى تعليم فعلي. وبقي في كثير من الحالات أقرب إلى «إشغال تربوي» محدود الفاعلية، مع تراجع في التفاعل داخل الصفوف الافتراضية وحضور خجول لا يتجاوز أحياناً بضعة طلاب في الصف الواحد.

في موازاة ذلك، تتزايد الدعوات التربوية إلى مقاربة واقعية للمرحلة لأن استكمال المنهج وفق الخطة الأصلية بات شبه مستحيل، ما يفرض تقليصه فوراً والتركيز على الكفايات الأساسية، بدلاً من محاولة «سلق» ما تبقّى منه.

كما أن الرهان على تعويض الوقت الضائع يبدو غير واقعي، حتى في حال تحسّن الظروف. فشهر أيار سيكون عملياً مُخصّصاً لعودة النازحين وإعادة تأهيل المدارس، إذا توقفت الحرب هذا الشهر، ما يترك شهر حزيران كنافذة تعليمية وحيدة. وهذا ما يفرض إعادة النظر في روزنامة العام الدراسي، وربما تمديدها.

وتشكّل الامتحانات الرسمية العقدة الأكثر حساسية. فبينما تؤكد وزارة التربية أن كل الخيارات لا تزال قيد الدرس، وأن القرار سيُتخذ بناءً على معطيات ميدانية دقيقة وبالتشاور مع المعنيين، تتصاعد الضغوط لحسم القرار. وتتمسك روابط التعليم بوحدة الامتحانات مع تعديل المناهج بما يتلاءم مع الواقع، في حين يطرح تربويون بدائل أكثر مرونة، من بينها المواد الاختيارية أو صيغ تراعي الفروقات بين الطلاب، بدلاً من الإصرار على نموذج موحّد قد يكرّس عدم المساواة.

في المقابل، يطرح مديرو مدارس وأهالٍ تساؤلات حول جدوى طلب تأمين المستندات من المرشحين للامتحانات الرسمية، في ظل غياب قرار نهائي ولا سيما بالنسبة إلى الشهادة المتوسطة. ويعتبرون أن هذا التخبّط يزيد من حالة القلق ويعمّق عدم اليقين.

في موازاة ذلك، ترتفع أصوات تربوية تعتبر أن الطلاب ولا سيما في المناطق المتضررة غير مُهيَّئين لإجراء الامتحانات في ظل الظروف الراهنة، واصفةً الحديث عن سيناريوات الاستحقاق بأنه «انفصال عن الواقع التربوي».

ويشير هؤلاء إلى أن الطلاب فقدوا الاستقرار والأمان، و«الإصرار على إجراء الامتحانات لا يعكس حرصاً على المستوى التعليمي بقدر ما يعكس تجاهلاً لمعاناة الطلاب». ويطالب هؤلاء بقرارات شجاعة تأخذ في الاعتبار حجم الكارثة التربوية، وتضمن في الوقت نفسه حماية حق الطلاب في تعليم أكثر عدالة وإنصافاً.

ولا تنفصل هذه التعقيدات عن أزمة أوسع تضرب القطاع، من أوضاع الأساتذة (ولا سيما المتعاقدين) وحقوقهم المالية، إلى تذرّع القطاع الخاص بعدم تحصيل الأقساط لدفع رواتب الأساتذة، وصولاً إلى الجدل حول التقييمات عن بعد وما يرافقها من تساؤلات حول مصداقيتها وإطارها التنظيمي والقانوني.

في المحصّلة، يقف العام الدراسي في لبنان عند مُفترق حاسم: تعليم غير مكتمل، روزنامة غير مستقرة، وقرارات مؤجّلة. ولم يعد السؤال ترفاً، بل ضرورة مُلحّة: هل تتجه الجهات المعنية إلى قرارات استثنائية وواقعية تُنقِذ ما تبقّى من العام الدراسي، أم يُترك الطلاب وحدهم في مواجهة عام بلا نهاية واضحة؟

فاتن الحاج – الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى