هل تحرك زيارة سلام الدفعة الثانية من تبادل السجناء مع سوريا؟

فرح منصور – المدن
تتجاوز زيارة رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إلى دمشق يوم السبت 9 أيار الأعراف البروتوكولية المعتادة، لتدخل في اختبار حقيقي للواقعية السياسية، وسط ملفات صعبة تتعلق بربط القضاء بالأمن. مع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، يسعى لبنان من خلال وفد وزاري، تحويل التنسيق من مجرد تواصل أمني إلى نظام قضائي وقانوني شامل، يهدف بشكل أساسي إلى تسريع تسليم المحكومين السوريين، المحاطين بتعقيدات “الحق الشخصي” والمعايير القانونية، بالتوازي مع معالجة الازدحام داخل السجون عبر طرح مقترحات لـِ “العفو العام”.
ويبقى أمن الحدود أولوية، حيث يسعى البلدان إلى تعزيز التفاهمات العسكرية السابقة برعاية عربية، وتحويلها إلى إجراءات تطبيقية لضبط المعابر البرية وتقليل التهريب. هذه الزيارة تعد بمثابة “تصفير الأزمات” التقنية، حيث يأمل لبنان من خلالها في تعزيز سيادة القانون عند المعابر، واستعادة التوازن لمؤسساته القضائية والأمنية في ظل تحديات اللجوء والاستقرار على الحدود.
كان في الأشهر الأخيرة الملف الأكثر حساسية وحضورًا على الطاولة بين دمشق وبيروت هو تنفيذ اتفاقية تسليم المحكومين السوريين. وستلعب زيارة سلام إلى دمشق دورًا أساسيًا في حسم توقيت نقل الدفعة الثانية من السجناء السوريين إلى بلادهم، بعد أن تعثر التسليم لأسباب وصفت بأنها “تقنية”.
ملف السجناء السوريين
تؤكد مصادر “المدن” أن الدفعة الأولى من المحكومين السوريين سُلمت في السابع عشر من آذار الماضي، وذلك بعد توقيع الاتفاقية القضائية بين البلدين، ولكن تأخر تسليم الدفعة الثانية سببه أن القضاء اللبنانيّ والأجهزة الأمنية تدقق في بعض ملفات السجناء المزمع تسليمهم، خصوصًا ما يرتبط بقضايا الحق الشخصيّ التي تحتاج إلى حلولٍ قانونيةٍ بحسب الاتفاقية. تضيف المصادر القضائية، أن مجموع المنوي تسليمهم في الدفعة الثانية يبلغ 240 سجينًا، لكن تبيّن أن ملفات بعض هؤلاء غير مُكتملة من الناحية القانونية- القضائية. كذلك فإن عشرة طلباتٍ كان قد تقدم بها سجناء سوريون لتسليمهم إلى بلادهم رفضت من قبل القضاء اللبناني، كونها لا تتطابق مع المعايير التي تنص عليها الاتفاقية.
يُذكر أن النيابة العامة التمييزية تسلمت 342 طلبًا من محكومين سوريين أعربوا عن رغبتهم في قضاء ما تبقى من محكوميتهم داخل السجون السورية، وعلى هذا الأساس جرى التواصل بين البلدين لترتيب كل الإجراءات لعملية التسليم عبر نقطة الحدود.
كذلك لن يغيب عن اللقاءات الرسمية في دمشق ملف الموقوفين السوريين في لبنان، هذا الملف الذي شكل جدلًا واسعًا بين البلدين في السنوات الماضية، والذي قد يكون حله، او حل القسم الأكبر منه بين سطور قانون العفو العام، بما يتضمنه من عفو على عدد من الجرائم أو لتخفيض السنة السجنية أو لجهة تسريع المحاكمات.
هذا الملف لا يحمل فقط بُعدًا إنسانيًا أو قانونيًا، بل هو ورقة سياسية أساسية للحكومة اللبنانية للتخفيف من ضغط الاكتظاظ في السجون، ولإثبات قدرتها على معالجة أزمة اللجوء السوريّ بشكل مؤسساتي هادئ بعيدًا عن الصخب الإعلاميّ.
ضبط الحدود
كما لا يغيب ملف ضبط الحدود عن جدول الأعمال اللبناني- السوري. ولا يتعلق الأمر فقط بترسيم ما لم يرسم، بل بفرض سلطة الدولة اللبنانية على ممراتٍ لا تزالُ تشكّل “ثقبًا أسود” في الاقتصاد والأمن اللبنانيين.
يسعى الوفد اللبنانيّ وانطلاقًا من الزيارة التي قام بها اللواء عبد القادر طحان في تشرين الأول العام 2025 إلى بيروت، حين ترأس وفدًا أمنيًا سوريًا والتقى بجهاز الأمن العام اللبناني وقوى الامن الداخلي اللبناني، للوصول إلى استكمال صيغة التعاون الأمني والعسكريّ لضبط الحدود البرية ومنع عمليات التهريب بالاتجاهين. وهي نقطة تُعدّ مطلبًا دوليًا-عربيًا بقدر ما هي حاجة محليّة لتنظيم حركة الأفراد والبضائع.
التعاون الأمني هنا لا يقتصر على الحدود، بل يمتد ليشمل تبادل المعلومات حول الشبكات العابرة للحدود التي قد تُهدد الاستقرار الاجتماعي في كلا البلدين.
جدير بالذكر أن التعاون الحدوديّ مستمر على المستوى الأمني برعايةٍ عربية، وتحديدًا السعودية، انطلاقًا من الاتفاق الذي وقعه وزيرا الدفاع اللبناني اللواء ميشال منسى والسوري اللواء مرهف أبو قصرا برعاية وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان في آذار 2025.
تدرك بيروت، كما تُدرك دمشق، أن العلاقة بينهما لم تعد محكومةً بالديماغوجيا والوصاية كما كانت في عهد النظام السوري السابق، بل بالمصالح الحيوية الملحة. زيارة الرئيس سلام والوفد المرافق هي في إطار ترجمة هذه المصالح إلى اتفاقات إطارٍ “تحمي ما تبقى من بنىً تحتية واقتصادية في لبنان”.




