أخبار محلية

نتنياهو وعون: اللقاء الأصعب

كتب جواد الصايغ في صحيفة “إيلاف” الإلكترونية:

تتجه الأنظار يومي الخميس والجمعة المقبلين إلى العاصمة الأميركية واشنطن، حيث من المقرر أن تُعقد الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة، بعد جولتين أوليين رعى الأولى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، والثانية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ومن المتوقع أن يترأس الوفد الإسرائيلي السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، ياحيئيل لايتر، ما لم تقرر حكومة بنيامين نتنياهو رفع مستوى التمثيل في اللحظات الأخيرة، إلى جانب أحد المسؤولين العسكريين. أما الوفد اللبناني، فالمرجح أن يقوده الموفد الرئاسي والسفير السابق سيمون كرم.

عمليًا، يأتي اللقاء الثالث بهدف الحفاظ على زخم المفاوضات المباشرة التي انطلقت قبل أسابيع، بالرغم من أن الرغبة الأميركية تتمثل في انتقال المحادثات إلى مستوى أعلى، عبر لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني جوزاف عون، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، تمهيدًا للوصول إلى اتفاق سلام سريع. غير أن حسابات بيروت تبدو مختلفة عن تطلعات واشنطن.

وخلال الأيام الأخيرة، بدأت تتضح تعقيدات المشهد المرتبط بإمكان عقد لقاء بين الرئيس عون ونتنياهو في واشنطن. فبعدما كان الاعتقاد السائد أن العائق الأساسي داخلي لبناني، تبيّن أن هناك عوامل خارجية لا تشجع مثل هذه اللقاءات بهذا المستوى وفي هذا التوقيت، تحت عناوين متعددة. كما ظهر بوضوح أن لبنان ليس ساحة تتنافس عليها إيران وحدها، بل إن القوى الساعية إلى التأثير في قراره السياسي متعددة ومتداخلة.

اللافت أن الخطاب الصادر من بيروت، والخطوط الحمراء التي ترسمها السلطات اللبنانية، تختلف جذريًا عمّا يُتداول في واشنطن. ففي حين تضع الدولة اللبنانية ملف وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي في مقدمة الأولويات، يجري الحديث في العاصمة الأميركية عن مسار أوسع يشمل السلام والتطبيع والتفاهمات الأمنية والاقتصادية، إضافة إلى ملف إضعاف حزب الله، وحجم المساعدات الممكن تقديمها للبنان لتحقيق هذا الهدف.

وفي موازاة ذلك، تبدو الحسابات الإسرائيلية مختلفة عن الحسابات الأميركية واللبنانية معًا. فالصواريخ الست التي أُطلقت في الأول من آذار (مارس) الماضي، إلى جانب انخراط حزب الله في معركة إسناد طهران، منحت حكومة نتنياهو ورقة سياسية ثمينة ربما لم تكن لتحصل عليها حتى لو سعت إليها طويلًا. إذ أتاح ذلك لإسرائيل التشكيك في صدقية الدولة اللبنانية وقدرتها على ضبط قرار الحرب والسلم، واستخدام هذا الواقع كلما تعرضت لضغوط أميركية أو غربية لوقف عملياتها العسكرية.

فعدم اقتران مواقف السلطة اللبنانية بأفعال ميدانية على الأرض بعد اندلاع الحرب مع إيران، مكّن إسرائيل من الحدّ من الضغوط الدولية عليها، وأعفاها من تقديم تبريرات موسعة لعملياتها. بل أصبحت تكتفي بالإشارة إلى ما كانت الحكومة اللبنانية نفسها تتحدث عنه طوال الأشهر الماضية، لجهة ضرورة ضبط منطقة جنوب الليطاني، وإبراز التباين بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، ولا سيما في ما يتعلق بالجهة الفعلية التي تمتلك قرار السلم والحرب.

وقبل أسابيع من وقف إطلاق النار، قال أحد المطلعين على تطورات المنطقة إن إنهاء الحرب في الجنوب اللبناني مرتبط بـ”الجغرافيا”، في إشارة إلى سعي إسرائيل لتحقيق أهداف ميدانية محددة. وبالفعل، بدأت النتائج تظهر تباعًا، بعدما وسّعت تل أبيب نطاق سيطرتها من خمس نقاط إلى عشرات البلدات، التي دُمّر قسم كبير منها، مع نزوح سكانها بالكامل.

وبعد تجاهلها المتكرر لدعوات الحوار المباشر التي أطلقها مسؤولون لبنانيون، وافقت إسرائيل، بضغط وتشجيع أميركيين، على الجلوس إلى طاولة التفاوض، لكن بعد أن شعرت بأنها حققت تقدمًا ميدانيًا يتيح لها التفاوض من موقع قوة. وفي المقابل، أدركت السلطات اللبنانية أن ورقة القوة الأساسية التي تمتلكها تكمن في رغبة الرئيس ترامب في تحقيق اختراق سياسي يُسجل له في ملف السلام في الشرق الأوسط.

ومع نجاح فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، ساهم القبول الإسرائيلي بالمفاوضات في فصل مسار الدولة اللبنانية عن مسار حزب الله. فبينما تراهن السلطة اللبنانية على الجهد الأميركي للوصول إلى تسوية سياسية، يعوّل الحزب على تشدد إيراني في المفاوضات مع واشنطن، أملًا في إدراج الملف اللبناني ضمن أي تفاهمات إقليمية، بما يمنحه فرصة لإعادة ترتيب أوراقه الداخلية.

غير أن الحزب يدرك في الوقت نفسه أن الظروف الحالية تختلف جذريًا عن تلك التي رافقت نشأته في ثمانينيات القرن الماضي. ففي تلك المرحلة، جاء تأسيسه كرد فعل على وصول إسرائيل إلى العاصمة بيروت والسيطرة على الجنوب، وكان السكان قد نزحوا أصلًا من بلداتهم، ما جعل الحزب يُنظر إليه حينها كأداة مقاومة وأمل بالعودة. أما اليوم، فالصورة مختلفة تمامًا؛ إذ نجحت إسرائيل في ربط النزوح والدمار بوجود السلاح والمواجهات العسكرية، ما أدى إلى تحميل الحزب جزءًا كبيرًا من مسؤولية الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالجنوب، بخلاف ما كان عليه الوضع قبل عام 2000.

ولا تقتصر الانقسامات اللبنانية حول التفاوض والسلام على التباين بين الدولة وحزب الله، بل تمتد أيضًا إلى داخل القوى السياسية نفسها. فالقوات اللبنانية تميل إلى خيار التفاوض والانفتاح على السلام، فيما يفضّل الحزب التقدمي الاشتراكي العودة إلى منطق الهدنة وإدارة الصراع. والمفارقة أن الطرح الإسرائيلي، المدعوم أميركيًا وغربيًا، يرفض أساسًا العودة إلى ما قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، ما يجعل أي دعوات لإحياء معادلات سابقة، كاتفاقية الهدنة لعام 1949، تبدو بعيدة عن الواقع الحالي، وغير مطروحة في مراكز القرار.

أما المشكلة اللبنانية الأخرى، فتتمثل في سوء قراءة سياسة إدارة ترامب، والتعامل معها بوصفها ظرفية أو قابلة للتبدل السريع، إضافة إلى عدم الاستفادة من التباينات التي تظهر أحيانًا بين المواقف الأميركية والإسرائيلية حول ملفات تتعلق بالشرق الأوسط. فمثلًا أشار أحد الدبلوماسيين الأميركيين البارزين، خلال زيارة إلى بيروت الصيف الماضي، إلى أن رؤية واشنطن للملف السوري تختلف عن الرؤية الإسرائيلية، وهو ما انعكس عمليًا في عدم تبني الولايات المتحدة مواقف متشددة بالكامل تجاه أحمد الشرع خلال الأشهر الماضية.

وفي الملف اللبناني، يبدو أن نتنياهو أدرك حجم الرغبة الأميركية في دفع مسار التفاوض، فوافق على الانخراط فيه بالرغم من تردده السابق. لكن استمرار المراوحة والتأجيل من الجانب اللبناني قد يؤدي إلى تراجع مستوى الضغوط الأميركية على إسرائيل في ما يتعلق بوقف العمليات العسكرية والاستهدافات. كما أن لغة المصالح الاقتصادية والحسابات المالية حاضرة بقوة لدى ترامب، الذي قد يجد نفسه أمام معادلة معقدة تتعلق باستمرار دعم جيشي دولتين في حالة عداء، الأمر الذي سيعيد طرح تساؤلات حول طبيعة المساعدات الأميركية المخصصة للبنان.

ويبقى الموقف الأصعب أمام الرئيس جوزاف عون، إذ إن الاجتماعات التي تُعقد على مستوى السفراء والمبعوثين لن تكون كافية بعد عدة جولات، باعتبارها تمهيدًا للقاء سياسي أكبر. فالأنظار ستتجه نحو موعد زيارته المحتملة إلى واشنطن ولقائه نتنياهو، في ظل رغبة ترامب في تحقيق إنجاز جديد يضاف إلى مسار الاتفاقيات الإبراهيمية الذي بدأ خلال ولايته الأولى.

وفي حال عدم حصول هذا اللقاء، قد يجد لبنان نفسه في موقف سياسي أكثر تعقيدًا، بينما ستستفيد إسرائيل من ذلك لتوجيه اتهامات مباشرة إلى بيروت بعدم الرغبة في السلام. أما التبريرات اللبنانية المرتبطة بحساسية الوضع الداخلي، أو الدعوات للعودة إلى معادلات الأربعينيات والثمانينيات، فلا تبدو ذات تأثير كبير في واشنطن. كذلك، فإن طرح شروط مسبقة، مثل وقف الحرب والانسحاب وإطلاق الأسرى قبل الانتقال إلى البحث في السلام، لم يعد يحظى بزخم دولي كما في السابق.

وفي المقابل، فإن أي تنازلات إسرائيلية في هذه الملفات ستكون، على الأرجح، مشروطة بمكاسب سياسية أكبر. أما ربط لبنان مجددًا بالقضايا الإقليمية، والمواقف الخارجية والتمترس خلفها، فقد يتحول إلى مغامرة شديدة الخطورة في ظل الواقع الراهن، خصوصًا مع استمرار التوسع الإسرائيلي جنوبًا، وتفاقم الضغوط الداخلية والأزمات الاقتصادية والسياسية، بما يهدد بمزيد من التآكل في بنية الدولة اللبنانية ويضعها أمام تحديات وجودية متصاعدة قد تساهم في تفكك الكيان أو عرضه للوصاية مجددًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى