Featuredأخبار محلية

الجولة المقبلة: إنقاذ لبنان كمسار منفصل

إذا عنت المؤشرات من الجانب الأميركي إزاء لبنان في الأيام الأخيرة التي تلت توقيع التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران طمأنة مبدئية للبنان عن عدم اختصاره من ضمن هذا التفاهم وتجيير الحل فيه إلى إيران أو تسليمها مفاتيحه وفق ما خشي كثر من استخلاصات مذكرة التفاهم، فإن الرهان الأهم هو على أن تضغط الولايات المتحدة في الجولة المقبلة للمفاوضات الثنائية المباشرة بين لبنان وإسرائيل من أجل إنتاج نتائج عملية تدحض ذلك فعلاً لا قولاً.

تكشف معلومات ديبلوماسية عن اتصالات كثيفة وجهود كبيرة أدت إلى هذه المؤشرات في ظل تقويم سلبي لإعادة الولايات المتحدة تعزيز نفوذ إيران في لبنان بعد جهود الدولة اللبنانية للتخفيف من وطأته.
كانت العقوبات من الخزانة الأميركية التي شملت أبرز حلفاء الحزب وهو الوزير السابق سليمان فرنجيه رسالة رمزية بهذا المعنى من حيث توقيتها وكذلك الأمر بالنسبة إلى اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الجمهورية جوزف عون والعمل لزيارة الأخير إلى واشنطن في تموز المقبل على الأرجح.
ويمكن القول ان بعض اللوبي اللبناني الناشط في واشنطن (والبعض هنا يعود الى تقدير رسمي بأنّ بعضاً آخر يضر بالواقع اللبناني الدقيق ويطالب بوقفه) يقوم بعمل دؤوب في هذا الإطار من حيث لفت الإدارة الاميركية إلى مخاطر اختصار لبنان من ضمن المسار الإيراني ووجوب تفادي التضحية به على نحو لا ينقض كل الجهد المبذول في خطا الاطار لإعادة بناء الدولة بل يعيد التمهيد لتعزيز إيران واقعها في المنطقة من بوابة لبنان كذلك.
والبعض يقرأ الرسالة اللافتة التي وجهها نائب الرئيس الاميركي جي دي فانس الى المسيحيين في لبنان في هذا الإطار من دون ان يلغي ذلك ان الامر يتطلب جهداً مستداماً في هذه المرحلة تحديداً مع البيت الأبيض من أجل ابقاء العمل على حماية لبنان وضمان سيادته بين سلم الاولويات على مسار مستقل عن المسار الإيراني. والمغزى من هذه الرسائل رفض إدراج أي ضمانات تتعلق بـ” حزب الله ” في التفاهم وان نزع سلاح الحزب لا يزال شرطاً ضرورياً في لبنان أقله حتى إشعار آخر.

الخطورة يراها كثر في أن يذهب لبنان إلى الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة الأسبوع المقبل في واشنطن من دون أن يخرج بنتيجة عملية تعزز موقع الدولة وعقد جولة مفاوضات بعد أخرى من دون نتائج عملياتية ربطاً بمهلة الستين يوماً للتفاهم بين الولايات المتحدة وايران وربطاً باستحقاق الانتخابات الاسرائيلية والانتخابات الأميركية في تشرين المقبل.

إذ يسير لبنان على حبل مشدود في ظل توقعات أن يبقى في الأشهر المقبلة ساحة للضغط المتبادل حتى لو أنّ الولايات المتحدة على نقيض في مصالحها مع مصالح إسرائيل في هذه المرحلة على رغم ادعاءات إيران برهن تقدم مفاوضاتها على حل للبنان . فيما ان جولة أخرى من دون نتائج يمكن أن تضعف موقع الدولة وتفاقم الضغوط عليها من جانب “حزب الله” الذي يتحرك ضدها وعلى غير مصلحتها في الحرب مع إسرائيل وفي إصراره على إعطاء مفاتيح وقف النار إلى إيران فحسب.
ومع أنّ المفاوضات هي مسار ولا يمكن أن تنجح في جولة أو جولتين أو أكثر قليلاً، لكن التحدي يبقى في قدرة الأميركيين والبعض يقول إرادتهم على عدم السقوط في الابتزاز الإيراني من خلال السعي إلى إبقاء التمايز والفصل بين المسارين أي مع المسار الإيراني الأميركي. فهذه المعركة لا تزال قائمة وإيران توظف أوراقها وكان آخرها التهديد بالعودة إلى إقفال مضيق هرمز وتعليق المفاوضات من أجل ذلك على نحو ينافس بقوة قدرة الدولة اللبنانية وعدم امتلاكها أوراقاً بهذه القوة . والكثيرون يخشون ذلك في وقت يقرون بأن خيارات الدولة ضيقة ولا تملك سوى مواصلة ما تقوم به.
لكن البعض يرى أنّه يمكن للدولة الاستفادة من الاستياء الإسرائيلي العارم لإهمال هواجس رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو وعدم شمول إسرائيل صراحة كطرف في تفاهم الولايات المتحدة وإيران ومواصلتها الحرب تحت عنوان عدم التزامها به، وذلك من أجل تحصيل التزامات إزاء مفاوضات يتعين عليها ألّا تتسبب بانهيارها ما دامت الأولى على هذا المستوى مع الدولة اللبنانية. وإذا كانت إسرائيل وجدت وفق مواقف مسؤوليها “جوامع” مشتركة مع لبنان نتيجة مواجهته إيران ومنع نفوذها فيه، وان من اعتبارات مختلفة، يتعين عليها أن تساهم في إنجاح المفاوضات وحتمية تظهير واشنطن ذلك ما دامت هذه الأخيرة استهلت مساراً ضاغطاً لا يعتقد أنّه سيتوقف قريباً.
ويمكن للدولة اللبنانية في الوقت نفسه وعلى رغم الوضع الصعب الذي تجاهد فيه للمحاربة على جبهتين أساسيتين هي جبهة إسرائيل وجبهة إيران لانتزاع لبنان من الصراع بينهما، أن توظف ما أظهرته الأيام الأخيرة من التصعيد بين إسرائيل و “حزب الله”.

إذ ان الاحتفالية بأن وقف النار الشامل نتيجة مسار إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران والذي تم تسويق انتظاره على أنّه من سيحمل إنهاء للحرب في لبنان وليس اتفاقات وقف النار التي تم التوصل إليها بين إسرائيل ولبنان في واشنطن لم تكن في محلها.
الأمر نفسه حصل بعد وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران فيما أنّ أسوأ ما حصل في هذه الحرب إنّما جرى في المدة الفاصلة بين وقف النار الإيراني الأميركي وتوقيع مذكرة التفاهم بينهما فيما بذلت جهود غير معلنة لإنقاذ مدن الجنوب وصور في مقدمها من الدمار الذي احدق بها في الآونة الأخيرة نتيجة توغل عناصر الحزب فيها.

روزانا بو منصف – النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |