رياضة

مونديال 2026… هل سرقت التكنولوجيا متعة كرة القدم؟

“اخبار اليوم”
لم يكن مونديال 2026 – الذي شارف على الانتهاء- مجرد النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم من حيث عدد المنتخبات والمباريات، بل شكّل أيضاً نقطة تحول في تاريخ كرة القدم، بعدما دخل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية إلى قلب اللعبة بصورة غير مسبوقة. وإذا كان الجدل في البطولات السابقة يتمحور حول سؤال: “هل أخطأ الحكم؟”، فإن السؤال الذي طغى على هذه النسخة كان مختلفاً تماماً: “هل أخطأت التكنولوجيا؟”

فقد حرص الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على تحويل البطولة إلى نموذج لكرة القدم الحديثة، معتمداً منظومة متكاملة من الابتكارات التقنية، في مقدمتها الكرة الذكية المزودة بشريحة إلكترونية ترسل مئات البيانات في الثانية إلى غرفة حكم الفيديو، ما يسمح بتحديد لحظة لمس الكرة بدقة متناهية، ويساعد في احتساب حالات التسلل ولمس اليد. كما شهدت البطولة تطوير نظام التسلل شبه الآلي، الذي يجمع بين كاميرات ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي وبيانات الكرة الذكية، ليصدر قرارات التسلل خلال ثوانٍ، مع عرض محاكاة ثلاثية الأبعاد تشرح للجماهير أسباب القرار. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ توسع أيضاً استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرفة الـVAR لتحليل اللقطات بسرعة أكبر، بينما استُخدمت كاميرات مثبتة على جسم الحكم لنقل زاوية رؤيته إلى المشاهدين، في حين استعانت الأجهزة الفنية بأدوات تحليل تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدراسة المنافسين ووضع الخطط التكتيكية.

وعلى الورق، بدت هذه المنظومة قادرة على تحقيق حلم طال انتظاره، وهو تقليص الأخطاء التحكيمية إلى الحد الأدنى. وبالفعل، ساهمت التكنولوجيا في تسريع القرارات، ورفعت مستوى الدقة، ومنحت الحكام دعماً لم يكن متاحاً في السابق، كما وفرت للمدربين كماً هائلاً من البيانات، وقدمت للجمهور شروحات بصرية جعلت بعض القرارات أكثر وضوحاً.

لكن، وكما يحدث غالباً في كرة القدم، لم تسر الأمور من دون جدل. ففي إحدى أكثر لحظات البطولة إثارة، اعتقد المنتخب الإيراني أنه خطف بطاقة التأهل بعد هدف قاتل في الوقت بدل الضائع أمام مصر، قبل أن تتدخل تقنية التسلل شبه الآلي والكرة الذكية لإلغاء الهدف، بعدما أظهرت البيانات أن صاحب الهدف كان متقدماً بفارق لا يتجاوز بضعة مليمترات. القرار كان صحيحاً وفق القانون، لكنه فجّر نقاشاً واسعاً حول ما إذا كانت هذه الدقة المفرطة تخدم روح اللعبة أم تجعلها أسيرة للحسابات الرقمية.

المشهد نفسه تكرر في مباراة كولومبيا والبرتغال، عندما أُلغي هدف للكولومبيين بعد أن أظهرت التقنية أن مقدمة حذاء المهاجم كانت متقدمة بفارق ضئيل للغاية. ورغم أن القرار لم يترك مجالاً للشك من الناحية التقنية، فإنه أعاد طرح السؤال نفسه: هل ينبغي أن تُلغى أهداف في بطولة بحجم كأس العالم بسبب فروقات لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها؟

أما في مواجهة كرواتيا والبرتغال، فقد لعبت الكرة الذكية الدور الأبرز في إلغاء هدف التعادل للكروات، بعدما رصدت الشريحة الإلكترونية لمسة خفيفة للغاية غيّرت تفسير الحالة قانونياً، ما دفع الاتحاد الكرواتي إلى الاعتراض على القرار، معتبراً أن التكنولوجيا باتت تتدخل بطريقة تمس جوهر اللعبة، في حين أكدت “فيفا” أن القرار استند بالكامل إلى البيانات المسجلة داخل الكرة.

ولم يقتصر الجدل على التسلل، إذ شهدت مباراة البرازيل واسكتلندا إلغاء هدف بعد مراجعة تقنية أعادت الحكم إلى مخالفة حدثت في بداية الهجمة، وهو ما أثار تساؤلات جديدة حول حدود تدخل تقنية الفيديو، وما إذا كانت المراجعات يجب أن تبقى محصورة بالأخطاء الواضحة، أم تمتد إلى تفاصيل بعيدة عن لحظة تسجيل الهدف.

ورغم كل هذه الاعتراضات، لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا جعلت التحكيم أكثر دقة من أي وقت مضى، وساعدت على الحد من الأخطاء التي كانت تحسم مصير بطولات بأكملها. إلا أنها، في المقابل، فتحت نقاشاً جديداً حول مستقبل اللعبة. فكلما ازدادت القرارات اعتماداً على الخوارزميات والبيانات، تراجع هامش التقدير البشري الذي كان جزءاً من شخصية كرة القدم لعقود طويلة. كما أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في التحليل والإعداد الفني أثار مخاوف من اتساع الفجوة بين المنتخبات القادرة على الاستثمار في أحدث التقنيات، وتلك التي لا تملك الإمكانات نفسها.

لقد أثبت مونديال 2026 أن كرة القدم دخلت فعلاً عصر الذكاء الاصطناعي، وأن التكنولوجيا أصبحت شريكاً أساسياً للحكم والمدرب واللاعب. لكنها أثبتت أيضاً أن التقنية، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع القضاء على الجدل، بل تغيّر شكله فقط. فبدلاً من الاعتراض على قرار الحكم، أصبح الاعتراض موجهاً إلى الخوارزمية التي اتخذت القرار.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر في مونديال 2026: فالبطولة التي جاءت لتقديم أكثر نسخ كأس العالم عدالة من الناحية التقنية، انتهت بطرح سؤال سيبقى مفتوحاً في السنوات المقبلة: هل نريد كرة قدم أكثر دقة… أم كرة قدم أكثر إنسانية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |