لماذا ترتفع الإيجارات؟

رماح هاشم – نداء الوطن
لم يعد ارتفاع بدلات الإيجار في لبنان مجرّد انعكاس لزيادة الطلب على السكن، بل تحوّل إلى مؤشر اقتصادي يعكس اختلالات عميقة في سوق العقارات، بدءًا من غياب التمويل السكني وتراجع القدرة الشرائية، وصولا إلى محدودية المعروض وارتفاع كلفة البناء. ومع استمرار هذه العوامل، يجد آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام خيارات سكنية أكثر كلفة، في وقت تتراجع فيه فرص التملك وتتسع الفجوة بين العرض والطلب.
تتباين المقاربات حيال الأسباب الكامنة وراء موجة غلاء الايجارات. بينما يتسب خبراء عقاريون أسباب الأزمة إلى غياب القروض السكنية وركود حركة البناء، ترى نقابة المالكين أن استمرار الإيجارات القديمة يحرم السوق من جزء كبير من الوحدات السكنية والتجارية، ما يفاقم النقص في المعروض ويدفع الأسعار إلى الارتفاع. وبين هذيْن الطرحين، يبقى المستأجر الحلقة الأكثر تأثرًا في سوق لا يزال يفتقر إلى التوازن والتنظيم.
السبب الرئيسي
في محاولة لتشخيص الأسباب التي تقف وراء هذا الارتفاع، تتباين قراءات المعنيين بالقطاع العقاري بين عوامل تمويلية وهيكلية وأخرى ترتبط بآليات عمل السوق، يشير رئيس نقابة الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان، وليد موسى لـ “نداء الوطن”، إلى أن “السبب الرئيسي لارتفاع الإيجارات يعود إلى تعذرّ تملك المساكن في ظل غياب القروض السكنية التي تُمكّن المصارف التجارية ومؤسسة الإسكان من تلبية حاجات الشباب اللبناني في مختلف المناطق، كلٌّ بحسب قدراته المالية”.
ويوضح أن “هذا الواقع يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى اللجوء للإيجار”، مضيفًا: “كلما ارتفع الطلب مقارنة بالعرض ارتفعت الأسعار، وهذا هو السبب الأساسي لغلاء الإيجارات”.
ويؤكد موسى أن “ارتفاع أسعار العقارات يشكل عاملا إضافيًا في زيادة بدلات الإيجار”، عازيًا ذلك إلى “التضخم العالمي وارتفاع كلفة البناء، الأمر الذي دفع أصحاب العقارات إلى إعادة تقييم ممتلكاتهم بأسعار أعلى”. ويضيف: “بما أن بدل الإيجار يُحتسب كنسبة من قيمة العقار، فإن ارتفاع أسعار البيع ينعكس تلقائيًا على أسعار الإيجارات”. كما يلفت إلى أن “سوق الإيجارات في لبنان أصبح “مدولرًا” بالكامل، إذ تُحدد بدلات الإيجار بالدولار الأميركي”.
“السوق متعطش”
يعتبر موسى أن “السوق العقارية متعطشة لإطلاق مشاريع سكنية جديدة، ترتبط بإعادة تفعيل القروض السكنية وتوفير إمكانات الاستدانة”، مشددًا على أن “القطاع العقاري يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ يُحرّك نحو 72 مهنة بصورة مباشرة وغير مباشرة”.
ويرى أن “إعادة تنشيط هذا القطاع تستوجب تنفيذ إصلاحات تعيد بناء القطاع المصرفي”، موضحًا أن “غياب قطاع مصرفي سليم يعني غياب قطاع عقاري سليم”. ويضيف أنه، “رغم استمرار تنفيذ بعض المشاريع العمرانية، فإن وتيرة البناء لا تزال محدودة، كما أن المعروض من الوحدات السكنية المخصصة للبيع يبقى دون المستوى المطلوب”، مؤكدًا أن “إعادة توفير القروض السكنية ستنعكس إيجابًا على النشاط العقاري، بما يسهم في تحريك الدورة الاقتصادية”.
يختم موسى بالتشديد على أن “مطلب إنشاء وزارة للإسكان ليس جديدًا، بل تطرحه النقابة منذ سنوات، معتبرًا أن استحداثها لا يعني زيادة عدد الوزارات بقدر ما يشكل خطوة تنظيمية أساسية، أسوة بما هو معمول به في الدول المتقدمة، بهدف تنظيم القطاع العقاري وتشجيع إنشاء مشاريع سكنية بأسعار مقبولة تلبّي احتياجات مختلف شرائح المجتمع”.
مقاربة نقابة المالكين
وعن مقاربة نقابة المالكين لهذه القضية، يؤكد المستشار القانوني للنقابة، المحامي شربل شرفان لـ “نداء الوطن”، أن “موقف النقابة من قضية ارتفاع الإيجارات يستند إلى قاعدة اقتصادية بحتة تحكمها معادلة العرض والطلب”، معتبرًا أن “استمرار وجود الإيجارات القديمة أسهم بصورة مباشرة في تقليص حجم المعروض من الشقق والمحال المعدّة للإيجار”. ويقول: “عندما يفوق الطلب حجم العرض ترتفع الأسعار، فيما تنخفض تلقائيًا كلما ازداد العرض مقارنة بالطلب”.
ويلفت شرفان إلى أن “أزمة الإيجارات ستبقى قائمة ما دام ملف الإيجارات القديمة والتمديدات الأزلية لم يُحسم بعد ولكن القضية الآن وصلت إلى خواتيمها لانتهاء السنوات التسع التمديدية”، مشيرًا إلى أن “تحرير هذه الإيجارات من شأنه ضخ عدد أكبر من الوحدات السكنية والتجارية في السوق، بما يعيد التوازن بين العرض والطلب”. ويوضح: “إذا كان في أحد الأحياء شقتان فقط معروضتان للإيجار، فقد يطلب مالك كل منهما ألف دولار شهريًا رغم أن قيمتهما الفعلية لا تتجاوز 500 دولار. أما عندما يصبح في الحي نفسه نحو 20 شقة معروضة، فلن يكون بإمكان المالكين فرض أسعار مبالغ فيها، بل ستتحدد بدلات الإيجار وفق السعر العادل والرائج في السوق”.
ويشدد شرفان على أن “نقابة المالكين ترفض الممارسات الاستغلالية في سوق الإيجارات”، مؤكدًا أن “النقابة تحثّ المالكين باستمرار على اعتماد بدلات إيجار عادلة تنسجم مع الأسعار الرائجة في السوق”. ويختم بالقول: “المالك في نهاية المطاف إنسان، وكل شخص يتصرف وفق قناعاته، لكننا نُوجّه المالكين دائمًا إلى تقاضي بدلات إيجار منصفة بعيدًا عن أي إستغلال”.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن أزمة الإيجارات في لبنان ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تراكمات مالية واقتصادية وتشريعية تداخلت على مدى سنوات. وبين غياب أدوات التمويل، وتراجع المعروض، وارتفاع كلفة العقارات، تبقى معالجة الأزمة رهنًا بإصلاحات تعيد التوازن إلى السوق العقارية، وتؤسّس لبيئة سكنية أكثر استقرارًا، بما يُخفّف الضغوط عن المستأجرين ويضمن في الوقت نفسه حقوق المالكين.




