إسرائيل هيوم: اختبار جوزاف عون يبدأ الآن وسط رهانات ومخاطر

قد يُشكّل المسار الّذي اختاره الرّئيس اللّبنانيّ جوزاف عون نقطة تحوّل في تاريخ لبنان، إلّا أنّه يبقى محفوفًا بالمخاطر، بدءًا من تحدّي تعزيز قدرات الجيش اللّبنانيّ، وصولًا إلى تهديدات محتملة قد تطال حياته، وفق ما جاء في مقال نشرته صحيفة “إسرائيل هيوم”.
وبحسب المقال، حقّق عون جملةً من المكاسب الدّبلوماسيّة خلال لقائه الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، غير أنّ هذه المكاسب وضعته، في المقابل، أمام اختبارات سياسيّة وأمنيّة شديدة التّعقيد.
مكاسب دبلوماسيّة متعدّدة
تمثّل المكسب الأوّل في الانطلاق الرّسميّ للمرحلة التّجريبيّة من انسحاب الجيش الإسرائيليّ من جنوب لبنان. ويرى المقال أنّ عون نجح في ربط هذه الخطوة باتّفاق دبلوماسيّ مع إسرائيل، من دون اضطرار الجيش اللّبنانيّ إلى استخدام القوّة.
أمّا المكسب الثّاني، فتمثّل في نجاحه، حتّى الآن، في تجنّب ما وصفه المقال بـ”حقل ألغام سياسيّ”، يتمثّل في عقد لقاء مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، وهو لقاء كان من شأنه أن يضعه في مواجهة شريحة واسعة من الرّأي العامّ اللّبنانيّ.
ويشير المقال إلى أنّ استطلاعات الرّأي في لبنان تُظهر تأييد غالبيّة اللّبنانيّين للتّوصّل إلى اتّفاق مع إسرائيل، بالتّوازي مع رفض واسع لفكرة التّطبيع الكامل بين بيروت وتل أبيب.
ويتمثّل المكسب الثّالث، وفق المقال، في تعزيز مسار لبنانيّ مستقلّ عن المسار الإيرانيّ، بما يكرّس استقلاليّة بيروت بوصفها طرفًا فاعلًا يتّخذ قراراته بعيدًا عن التّأثيرات الخارجيّة.
تحدّي تفكيك البنية العسكريّة
في المقابل، وضع هذا المسار عون أمام سلسلة من التّحدّيات. فقد انتشر الجيش اللّبنانيّ، يوم الثّلاثاء، في بلدة زوطر الغربيّة في جنوب لبنان، إلّا أنّ تساؤلات لا تزال تُطرح بشأن مدى قدرته على تفكيك البنية العسكريّة لـ”حزب الله”.
ويعتبر المقال أنّ إخفاق الجيش في تنفيذ هذه المهمّة قد يدفع إسرائيل إلى الامتناع عن توسيع المرحلة التّجريبيّة للانسحاب لتشمل قرًى إضافيّة، انطلاقًا من اعتبارات أمنيّة تراها مبرّرة.
كما يبرز، بحسب المقال، خطر احتمال تدخّل “حزب الله” في المواجهة الإقليميّة بين إيران والولايات المتّحدة. وفي هذا السّياق، نُقلت إلى بيروت تحذيرات مفادها أنّ أيّ خطوة من هذا النّوع ستجرّ البلاد مجدّدًا إلى دائرة المواجهة العسكريّة.
وإذا كان عون يسعى إلى ترسيخ وقف إطلاق النّار، فإنّ مثل هذا التّطوّر من شأنه أن يقوّض هذا المسار. ومع ذلك، يلفت المقال إلى تراجع عدد الضّربات الإسرائيليّة ونطاقها بصورة ملحوظة منذ التّوصّل إلى الاتّفاق الإطاريّ.
دعم الجيش وشروط الإصلاح
كان الحصول على دعم أميركيّ لتقديم مساعدات واسعة النّطاق إلى الجيش اللّبنانيّ أحد أبرز أهداف عون خلال لقائه ترامب.
ويعاني الجيش، بحسب المقال، ضعفًا واضحًا في موارده، إذ لا تتجاوز موازنته السّنويّة مليار دولار، فيما يبلغ عديده نحو ستّين ألف عسكريّ.
ويورد المقال مزاعم تفيد بأنّ نحو نصف أفراد الجيش ينتمون إلى الطّائفة الشّيعيّة، مدّعيًا أنّ بعضهم يتعاطف مع “حزب الله”، أو قد يتعاون معه في حالات أخرى. ولم يقدّم المقال أدلّة مستقلّة تدعم هذه المزاعم.
كما يزعم أنّ عددًا من القادة المسيحيّين عُيّنوا، خلال السّنوات الماضية، بدعم من قوى سياسيّة متحالفة مع “حزب الله”، ما قد يجعلهم، وفق تقديره، أقلّ حماسةً لاتّخاذ إجراءات ضدّه، خشية الإضرار بمستقبلهم المهنيّ في حال تبدّلت موازين القوى السّياسيّة مجدّدًا.
ويرى المقال أنّ الولايات المتّحدة ستكون مطالبةً بدراسة آليّة توجيه أيّ دعم إضافيّ إلى الجيش اللّبنانيّ، وربطه بإصلاحات مؤسّسيّة واضحة، محذّرًا من أنّ المساعدات قد لا تحقّق النّتائج المرجوّة في غياب هذه الإصلاحات.
سجال داخليّ وحملة مضادّة
بالتّوازي مع تحرّكاته الخارجيّة، قاد عون خلال الأسابيع الأخيرة حملةً إعلاميّة واسعةً داخل لبنان للتّرويج للاتّفاق، في مواجهة الانتقادات الصّادرة عن معسكر “حزب الله”.
وقال النّائب في “حزب الله” حسن عزّ الدّين، هذا الأسبوع، إنّ إصرار عون على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ونزع سلاح التّنظيمات المسلّحة “يهدّد التّوافق الوطنيّ”، و”يعمّق الانقسام داخل البلاد”.
ووفق المقال، استخدم عزّ الدّين خطابًا تصعيديًّا، متّهمًا عون بتجريد لبنان من عناصر قوّته، والانسجام مع “أهداف العدوّ”، و”التّخلّي عن جنوب لبنان في عمل يرقى إلى الخيانة”.
مخاوف من تهديدات أمنيّة
يرى المقال أنّ بعض المسؤولين اللّبنانيّين قد يستخفّون بتصريحات “حزب الله”، أو يقلّلون من أهمّيّة التّهديدات الضّمنيّة بإسقاط الحكومة أو تنفيذ عمليّات اغتيال، إلّا أنّ المحيطين بعون، بحسب تقديره، مطالبون بالتّعامل بجدّيّة مع أيّ تهديد محتمل لحياته.
ويشبّه المقال “حزب الله”، كلّما ازداد الضّغط عليه وتراجعت قوّته سياسيًّا وعسكريًّا، بـ”حيوان جريح” قد يهاجم خصومه بصورة غير متوقّعة.
لكنّ المقال يرجّح ألّا يكون عون الهدف الأوّل، زاعمًا أنّ “حزب الله” وضع، منذ انطلاق المسار الدّبلوماسيّ مع إسرائيل، عددًا من السّياسيّين والدّبلوماسيّين اللّبنانيّين في دائرة الاستهداف.
ويذكر من بينهم رئيس الحكومة نوّاف سلام، والنّائب فؤاد مخزومي، ووزير الخارجيّة يوسف رجّي، باعتبارهم من أبرز الدّاعمين للحدّ من النّفوذ الإيرانيّ وتأييد المسار الدّبلوماسيّ. ولم يورد المقال معلومات موثّقة أو أدلّة علنيّة تثبت وجود خطط لاستهداف هذه الشّخصيّات.
الاختبار الحقيقيّ يبدأ الآن
يخلص المقال إلى أنّ عون نجح، منذ انتخابه بأغلبيّة واسعة، في تغيير وجهة الدّولة اللّبنانيّة. فعلى الرّغم من وجود وزراء يمثّلون “حزب الله” وحركة “أمل” في حكومته، قاد سلسلةً من الخطوات الّتي يصفها المقال بـ”التّاريخيّة”.
غير أنّ الاختبار الحقيقيّ يبدأ الآن، ويتمثّل في قدرة عون وشركائه على تنفيذ الاتّفاق الإطاريّ، ونزع الطّابع العسكريّ عن المناطق الّتي ينسحب منها الجيش الإسرائيليّ.
ويشير المقال إلى أنّ المحاولة السّابقة لتنفيذ هذا المسار جنوب نهر اللّيطاني انتهت بالفشل، معتبرًا أنّ نجاح التّجربة الحاليّة يتوقّف على قدرة الدّولة اللّبنانيّة على فرض سلطتها وتنفيذ التزاماتها.
ويختتم بالتّعبير عن أمله في أن تنجح بيروت، هذه المرّة، في اغتنام الفرصة المتاحة، رغم حجم التّحدّيات السّياسيّة والأمنيّة المحيطة بها




