خطة لضبط سوق «الألبان والأجبان»: حماية المُنتَج والمُستهلِك

زينب بزي – الاخبار
من خفض سعر الحليب إلى إقفال عشرات المعامل، وصولاً إلى منع تصنيع «شبيه اللبنة» و«شبيه الجبنة»، فتحت وزارة الزراعة مواجهة متعدّدة المسارات مع سوق الألبان والأجبان. المواجهة لا تستهدف حماية مُربّي الأبقار والمعامل التي تستخدم الحليب الطازج فقط، بل تشمل سلامة المستهلك بعدما تحوّلت المواد الأرخص، وفي مقدّمها الحليب المُجفّف والزيوت النباتية والمُهدرجة، إلى وسيلة لخفض الكلفة وإنتاج سلع تشبه الألبان من دون أن تكون كذلك.
وبحسب وزير الزراعة نزار هاني، تتألّف خطة الألبان والأجبان من تسع نقاط، تبدأ بمعالجة سعر الحليب بعد اعتراض المعامل على ارتفاعه. فقد جرى التفاهم مع مُربّي الأبقار على خفضه خمسة سنتات. وفي المقابل، شدّدت الوزارة رقابتها على المعامل، وأقفلت حتى الآن 38 معملاً مخالفاً. يقول هاني إن نحو 20 من المعامل التي أُقفلت «لا يمكن وصفها فعلياً بأنها معامل لافتقارها إلى أبسط شروط التصنيع، والعمل في أوضاع غريبة وعجيبة».
وبعد معالجة السعر وضبط المعامل، ثمة خطوات إضافية ترمي إلى الحدّ من دخول الحليب المُجفّف والزيوت المُهدرجة، اللذين يتيحان إنتاج سلع أقل كلفة من تلك المصنوعة من الحليب الطازج. «لبنان يستورد سنوياً ما بين 17 ألف طن و20 ألف طن من الحليب المُجفّف، يذهب نحو 60% منها إلى المصانع، فيما يراوح الإنتاج المحلي من الحليب الطازج بين 400 و450 طناً يومياً» يقول هاني.
ويُقِرّ هاني بأن حماية الإنتاج المحلي لها كلفة لأن أي إجراء يحدّ من استخدام البدائل الأرخص قد ينعكس مباشرة على الأسعار، إلا أنه يعتبر أن النقاش لا يمكن اختزاله بسعر العبوة وحده، فالمواد التي تخفّض كلفة الإنتاج قد ترفع لاحقاً الفاتورة الصحية على المستهلك. ويقول: «قد نوفّر في سعر المُنتَج من جهة، لكننا ندفع لاحقاً فاتورة صحية أكبر».
وتبرز في هذا السياق الزيوت المُهدرجة، ولا سيما المُهدرجة جزئياً، التي تُعدّ مصدراً رئيسياً للدهون المتحوّلة الصناعية. وتؤدّي هذه الدهون إلى رفع مستوى الكوليسترول الضار وخفض الكوليسترول الجيد، ما يزيد مخاطر تراكم الترسّبات في الشرايين والإصابة بأمراض القلب والتجلّطات. ويكشف هاني أن لوزير الصحة ركان ناصر الدين موقفاً حاسماً من هذه الزيوت، وأنه يتجه إلى اتخاذ قرار يمنع استخدامها في الغذاء. ويشير الوزير إلى احتمال الإبقاء على استخدامات محدّدة لبعض هذه المواد، مثل بعض أنواع الـ«توبينغ» المُستخدمة على البيتزا وغيرها، شرط تحديد نوعها وطريقة استخدامها.
وفي موازاة الرقابة على التصنيع، صدر قرار عن وزارة الزراعة لتنظيم تعبئة وتوضيب وعرض الحليب ومُنتجاته والمُنتجات المُركّبة منه. ويُلزِم القرار المنتجين بالإعلان بوضوح عن استخدام الحليب المُجفّف عندما تتجاوز نسبته 5%، كما يفرض ذكر المكوّنات غير الحليبية المُستخدمة لتحلّ محلّ مكوّنات الحليب جزئياً أو كلياً (لتصنيع ما يصطلح على تسميته أشباه الألبان والأجبان). ويمنع استعمال أي تسمية أو صورة أو معلومات توحي بأن المُنتَج من مشتقات الحليب إذا كان مصنوعاً من مكوّنات أخرى.
ويأتي ذلك إلى جانب قرار اتخذته وزارة الاقتصاد لفصل المُنتجات الأصلية عن المُنتجات الشبيهة بها داخل السوبرماركت، بما يمنع عرض اللبنة أو الجبنة المصنوعة من الحليب إلى جانب مُنتجات مُصنّعة من الزيوت النباتية وكأنها من الفئة نفسها، ويسهّل على المستهلك التمييز بينها.
أمّا وزارة الصناعة، فأصدرت قراراً يمنع المؤسّسات الصناعية من إنتاج أو تحضير أو طرح أو تسويق المُحضرات الغذائية الشبيهة باللبن واللبنة التي تحتوي على زيوت نباتية أو دهون غير مشتقّة من الحليب، وذلك إلى حين استكمال الأطر التنظيمية وإقرار المواصفات الفنية الخاصة بهذه المُنتجات. ويشدّد هاني على أنّ المنع يشمل حالياً «شبيه اللبن» و«شبيه اللبنة» و«شبيه الجبنة البيضاء»، فيما تطالب وزارة الزراعة بتوسيعه ليشمل أيضاً «شبيه الموتزاريلا». ويوضح أن دولاً أخرى، مثل السعودية، تسمح بإنتاج بعض هذه السلع تحت تسميات واضحة، بينما اختار لبنان عدم السماح بتصنيعها محلياً.
أمّا بالنسبة إلى الاستيراد، فيميّز هاني بين المُنتجات التي تباع تحت تسميات «شبيه اللبنة» و«شبيه الجبنة»، والتي يقول إنه لن يسمح باستيرادها، وبين بعض المواد أو المُنتجات التي تندرج ضمن الفئة الأوسع المُسماة «مُحضرات غذائية»، والتي يمكن أن يبقى استيرادها مسموحاً إذا كانت مُصنّفة وموسومة بوضوح ومستوفية للشروط القانونية. وبذلك، لا يطاول المنع كل المُحضرات الغذائية بصورة شاملة، بل المُنتجات التي تستخدم تسميات الألبان أو توحي بأنها بديل مباشر منها.
في المحصّلة، تبدو هذه الحملة خطوة يتوقف نجاحها على استمرار الرقابة، وضبط الاستيراد، ومنع المعامل المُقفلة من العودة إلى العمل بأسماء جديدة، والتأكد من التزام المتاجر بالفصل الواضح بين المُنتجات. فالمشكلة لا تكمن في وجود مُنتج أرخص فقط، بل في أن يباع هذا المُنتج للمستهلك على أنه لبنة أو جبنة، فيما هو مختلف عنهما في مكوّناته وقيمته الغذائية.




