البطريرك الحويّك… الدولة قبل الكيان

نداء الوطن – القاضي عبّاس الحلبي
تستدعي الذاكرة الوطنيّة، في مناسبة تطويب البطريرك الياس الحويّك، التوقّف عند إحدى الشخصيّات التي طبعت تاريخ لبنان الحديث، لا لأنّها ارتبطت بقيام لبنان الكبير فحسب، بل لأنّها أسهمت في بلورة رؤية للدولة سبقت قيام الكيان نفسه. فالحويّك لم يترك إرثًا سياسيًّا يخصّ مرحلة تاريخيّة انقضت، بل فكرًا تأسيسيًّا لا يزال حاضرًا في كل نقاش يتناول معنى الدولة، والسيادة، والميثاقيّة، والعيش المشترك. ومن هنا، تبدو العودة إلى هذا الإرث اليوم أكثر من مجرّد استذكار؛ إنها محاولة لقراءة الحاضر في ضوء أحد الآباء المؤسّسين للبنان.
1- الحويّك وفكرة الدولة: الأُسس الفكريّة للبنان الكبير
في تاريخِ الأُمَمِ شخصيّاتٌ تصنَعُ الأحداث، وشخصيّاتٌ تَصنَعُ الأفكارَ التي تُنتِجُ الأحداث. وإذا كانَ إعلانُ دولةِ لبنانَ الكبير في الأوّلِ من أيلولَ سنة 1920، يُمَثِّلُ حَدَثًا مفصليًّا في تاريخِ لبنانَ المعاصر، فإنَّ البطريرك الياس الحويّك كانَ من أولئكَ الذينَ أسهموا في صياغةِ الفكرةِ التي أفضَت إلى ذلكَ الحَدَث، ثُمَّ استمرَّت آثارُها في تكوينِ الدولةِ ومؤسّساتِها وفي ثقافَتِها السياسيّة.
ولعلَّ أهمَّ ما يُميِّزُ تجربةَ البطريركِ الحويّك أنَّها لم تقتصرْ على المطالبةِ بقيامِ كيانٍ سياسيٍّ مستقلّ، بل اقترنت برؤيةٍ متكاملةٍ لمفهومِ الدولةِ ووظيفتِها ورسالتِها. فقد أدركَ الرجلُ، في مرحلةٍ كانتِ المنطقةُ تعيدُ فيها تشكيلَ خرائطِها السياسيّةِ بعدَ الحربِ العالميّةِ الأولى وانهيارِ السلطنةِ العثمانيّة، أنّ نجاحَ أيِّ مشروعٍ سياسيٍّ لا يتوقّفُ عند حدودِ الاعترافِ الدوليِّ به، بل يرتبطُ بقدرتِه على بناءِ شرعيّةٍ داخليّةٍ قائمةٍ على قبولِ الجماعاتِ المكوِّنةِ له، وعلى شعورِها بأنّها شريكةٌ في الوطنِ والدولةِ والمستقبل.
وفي هذا السياق، يمكنُ النظرُ إلى إرثِ الحويّك بوصفِه أحدَ المرتكزاتِ الفكريّةِ المبكّرةِ لِمَا سيُعرَفُ لاحقًا في التجربةِ اللبنانيّةِ بالصيغةِ الميثاقيّة. فالميثاقيّةُ، قبل أن تكونَ قاعدةً لتوزيعِ السلطةِ أو لتنظيمِ المشاركةِ السياسيّة، هي فلسفةٌ في الاجتماعِ الوطنيّ تقومُ على الاعترافِ المتبادلِ، ورفضِ الإلغاءِ، واعتبارِ التنوّعِ عنصرًا تأسيسيًّا في الكيانِ اللبنانيّ، لا مجرّدَ واقعٍ عابرٍ يمكنُ تجاوُزُه أو تهميشُه.
ولَئِنْ كانَ الميثاقُ الوطنيُّ سنةَ 1943 قد شكَّل التعبيرَ السياسيَّ الأبرزَ عن هذه الفلسفة، فإنّ جذورَها تعودُ إلى مسارٍ تاريخيٍّ طويلٍ أسهمَ الحويّك في ترسيخِ بعضِ أهمِّ معالمِه. ففكرةُ لبنانَ التي دافعَ عنها لم تُبنَ على مفهومِ الانعزالِ أو الانكفاءِ، وإنّما على إقامةِ فضاءٍ وطنيٍّ جامعٍ يستطيعُ أن يستوعبَ تعدّدَ الانتماءاتِ الثقافيّةِ والدينيّةِ ضمن إطارِ وحدةٍ سياسيّةٍ وسياديّةٍ واحدة.
وإذا كانتِ الميثاقيّةُ قد شكّلت أحدَ أبرزِ المرتكزاتِ التي قامت عليها التجربةُ اللبنانيّة، فإنّ أهمّيّتَها لا تنبعُ فقط من دورِها في إدارةِ التنوّع، بل أيضًا من قدرتِها على إنتاجِ شعورٍ جماعيٍّ بالانتماءِ إلى الدولة. فالدولةُ الحديثةُ لا تقومُ على الإكراهِ أو على مجرّدِ انتظامِ السلطة، بل على اقتناعِ المواطنينَ بأنّ المؤسّساتِ تعبّرُ عنهم وتحفظُ مصالحَهم وتصونُ حقوقَهم. وعندما يضعفُ هذا الشعورُ، تتراجعُ الثقةُ العامّةُ وتبرزُ الولاءاتُ الجزئيّةُ على حسابِ الولاءِ الوطنيِّ الجامع.
ولذلك، فإنَّ التجربةَ اللبنانيّةَ، بما تختزنُه من عناصرِ تنوّعٍ وتَعدُّد، تُقَدِّمُ نموذجًا خاصًّا في الفكرِ الدستوريّ المقارَن. فهي تُظهرُ أنَّ الوحدةَ الوطنيّةَ لا تُبنى بالتماثلِ الكاملِ بينَ الجماعات، بل بالاتّفاقِ على قواعدِ العيشِ المشتركِ وعلى مرجعيّةِ الدولةِ ومؤسّساتِها. ومن هذا المنطلق، تبدو الميثاقيّةُ اللبنانيّةُ محاولةً دائمةً للتوفيقِ بينَ الخصوصيّاتِ المختلفةِ وبينَ مقتضياتِ الانتماءِ إلى وطنٍ واحدٍ ومصيرٍ مشترك.
ولعلَّ هذا ما يفسّرُ استمرارَ حضورِ الفكرِ التأسيسيِّ للحويّك في النقاشِ الوطنيِّ حتّى يومِنا هذا. فالرجلُ لم يكنْ مَعْنِيًّا بإقامةِ كيانٍ سياسيٍّ فحسب، بل كانَ معنيًّا بتأمينِ شروطِ استمراريّتِه وتماسكِه. وقد أدركَ باكرًا أنّ الجغرافيا وحدَها لا تصنعُ وطنًا، وأنّ الحدودَ مهما بلغت أهمّيّتُها تبقى بحاجةٍ إلى عقدٍ اجتماعيٍّ يربطُ بينَ المواطنينَ ويجعلُهم شركاءَ في المسؤوليّةِ وفي المستقبل.
2- الميثاقيّة ودولة القانون: أساس العيش المشترك
إنّ قراءةَ دورِ البطريركِ الحويّك في ضوءِ تطوّرِ النظامِ الدستوريِّ اللبنانيّ تفرضُ التوقّفَ عند العلاقةِ بينَ فكرةِ الكيانِ وفكرةِ الدستور. فالدستورُ ليس مجرّدَ نصٍّ قانونيٍّ، بل هو التعبيرُ عن التوافقِ الوطنيِّ حول طبيعةِ الدولةِ وقيمِها، وترجمةُ هذه الإرادةِ إلى مؤسّساتٍ تضمنُ الاستقرارَ والعدالةَ والمشاركة.
لقد عرفَ لبنانُ منذُ دستورِ سنةِ 1926 مراحلَ من التطوّرِ والتعديل، غيرَ أنّ الثابتَ كانَ السعيُ إلى التوازنِ بينَ وحدةِ الدولةِ وتعدّديّةِ المجتمع، وهي معادلةٌ لا تزالُ في صلبِ النقاشِ الدستوريِّ اللبنانيّ.
وإذا كانتِ التجربةُ اللبنانيّةُ قد أثبتت أنّ الديمقراطيّةَ التوافقيّةَ هي الصيغةُ الأنسبُ لإدارةِ التنوّع وصونِ الشراكةِ الوطنيّة، فإنّ أيَّ إصلاحٍ جدّيٍّ ينبغي أنْ ينطلقَ من احترامِ هذه الخصوصيّةِ وتعزيزِ آليّاتِ التوافقِ داخلَ مؤسّساتِ الدولة.
ومن هنا، فإنّ إرثَ البطريرك الحويّك لا يقتصِرُ على دورهِ التاريخيِّ في الدفاعِ عن لبنانَ الكبير فحسب، بل يمتدُّ إلى رؤيتِه للشرعيّةِ الوطنيّةِ وأهمّيّةِ التوافقِ في بناءِ الدولة، إذ إنّ الدولَ التعدّديّةَ لا تُدارُ بمنطقِ الغلبة أو استقواءِ طائفةٍ على أُخرى، بل بمنطقِ الشراكةِ ضمنَ إطارِ الدستورِ وسيادةِ القانون.
ومن هذا المنطلق، يبقى تعزيزُ دولةِ القانونِ شرطًا أساسيًّا لاستكمالِ المشروعِ الوطنيِّ اللبنانيّ، عبرَ احترامِ المؤسّسات والشرعيّة واستقلاليّةِ القضاء، وضمانِ المساواةِ أمامَ القانون، وتفعيلِ الرقابةِ والمحاسبة، بما يعزّزُ الثقةَ بالدولةِ ويصونُ حقوقَ المواطنين.
وانطلاقًا من هذا التأسيس، تبرزُ أهمّيّةُ الربطِ بينَ البصمةِ الميثاقيّةِ للحويّك وبينَ مسألةِ السيادةِ التي تشكّلُ إحدى أكثرِ القضايا إلحاحًا في لبنانَ المعاصر. فالسيادةُ ليست مفهومًا تجريديًّا أو شعارًا سياسيًّا يُرفَعُ عندَ الحاجة، بل هي شرطُ وجودِ الدولةِ نفسها. ولا يمكنُ لأيِّ نظامٍ دستوريٍّ أن يؤدّي وظائفَه الطبيعيّةَ إذا لم تكنِ الدولةُ صاحبةَ القرارِ النهائيِّ على كاملِ أراضيها، والقادرةَ على احتكارِ ممارسةِ السلطةِ الشرعيّةِ وفقًا لأحكامِ الدستورِ والقوانين.
وقد كانَ الحويّك من أوائلِ الذينَ أدرَكوا العلاقةَ العضويّةَ بينَ استقلالِ القرارِ الوطنيِّ وبينَ إمكانِ بناءِ مؤسّساتٍ مستقرّةٍ وقابلةٍ للحياة. فالكيانُ الذي لا يملكُ سيادتَه الكاملةَ يبقى عرضةً للتجاذباتِ الخارجيّة، فيما تتراجعُ قدرةُ مؤسّساتِه على أداءِ وظائفِها، وتتآكلُ الثقةُ بينَ المواطنِ والدّولة.
غيرَ أنّ السيادةَ في التجربةِ اللبنانيّةِ لا تنفصلُ عن العيشِ المشترك. فلبنانُ لم يقمْ على وحدةٍ قوميّةٍ أو دينيّةٍ مُغلقة، وإنّما على إرادةِ جماعاتٍ متنوّعةٍ اختارتِ العيشَ معًا ضمن دولةٍ واحدة. ولذلك، فإنّ حمايةَ السيادةِ تستلزمُ في الوقتِ نفسِه حمايةَ الشراكةِ الوطنيّةِ، لأنّ كلَّ خللٍ في إحداهما ينعكسُ مباشرةً على الأخرى.
ولعلّ هذه الحقيقة هي ما عبّر عنه ميشال شيحا حين رأى أنّ لبنان بلدٌ يجب أن يبقى في سكينةٍ تامّة، لأنَّ بنيانَهُ السياسيّ والاجتماعيّ يقومُ إلى حدٍّ بعيدٍ على الأعرافِ والعاداتِ والتقاليدِ والتوازناتِ الدقيقة التي نسجَها التاريخُ بينَ مكوّناتِه المختلفة، والتي من واجبِ هذهِ التقاليدِ أنْ تصونَهُ منَ العنفِ. فالاستقرارُ في لبنانَ ليسَ مجرّدَ حاجةٍ أمنيّة، بل شرطٌ لعملِ المؤسّساتِ وحمايةِ الشراكةِ الوطنيّةِ وصونِ العيشِ المشترك. وكلُّ اهتزازٍ لهذهِ السكينةِ ينعكسُ مباشرةً على التوازناتِ التي يقومُ عليها النظامُ اللبناني، ويُهدّدُ قدرةَ الدولةِ على أداءِ رسالتِها الجامعة.
وفي هذا السياق، تكتسبُ وثيقةُ الوفاقِ الوطنيِّ المنبثقةُ عن اتّفاقِ الطائف أهمّيّةً خاصّة، بوصفِها محاولةً لتطويرِ الصيغةِ اللبنانيّةِ وتعزيزِ المشاركةِ المتوازنةِ بينَ مكوّناتِ المجتمع. ومهما تعدّدتِ الآراءُ حولَ التطبيقِ والممارسة، فإنّ المبادئَ التي أكّدَ عليها الطائف، وفي مقدّمتِها المناصفةُ والشراكةُ واللامركزيّةُ الإداريّةُ الموسّعةُ والعيشُ المشتركُ، تبقى جزءًا من مسارٍ تاريخيٍّ طويلٍ يجدُ بعضَ جذورِه الفكريّةِ في تلكَ الرؤيةِ التأسيسيّةِ التي حملَها البطريرك الحويّك للبنان.
3- الحويّك ومشروع الدولة: التربية طريقًا إلى المواطنة
إنّ التحدّيَ الأكبرَ الذي يواجهُ اللبنانيّينَ اليومَ لا يَكمنُ في صياغةِ الأفكارِ والمبادئِ بقدرِ ما يكمنُ في تحويلِها إلى ممارساتٍ ومؤسّسات. فالدستورُ لا يحيا بنصوصِه وحدَها، بل بثقافةٍ دستوريّةٍ تؤمنُ باحترامِ القانونِ والمساءلةِ والتداولِ السلميِّ للسلطةِ، وبأولويّةِ المصلحةِ العامّةِ على المصالحِ الفئويّةِ الضيّقة.
لقد مرَّ لبنانُ خلالَ العقودِ الأخيرةِ بمحطّاتٍ صعبةٍ واختباراتٍ قاسيةٍ هزّتِ الاقتصادَ والإدارةَ والمؤسّسات، وأثّرت في ثقةِ المواطنينَ بدولتِهم. غيرَ أنّ التجاربَ التاريخيّةَ تُثبتُ أنّ الأوطانَ القادرةَ على تجديدِ ذاتِها هي تلكَ التي تعودُ في اللحظاتِ المفصليّةِ إلى مبادئِها التأسيسيّةِ لتستلهمَ منها عناصرَ النهوضِ والاستمرار. وليسَ المقصودُ بذلكَ العودةَ إلى الماضي بوصفِه نموذجًا جامدًا، بل الاستفادةُ من قِيَمِه في مواجهةِ تحدّياتِ الحاضرِ واستحقاقاتِ المستقبل.
وفي هذا الإطار، تبدو السيادةُ والميثاقيّةُ والعيشُ المشتركُ مفاهيمَ مترابطةً لا يمكنُ الفصلُ بينها. فسيادةٌ بلا شراكةٍ وطنيّةٍ متينةٍ تبقى هشّةً ومُعَرَّضةً للاهتزاز، وشراكةٌ بلا دولةٍ سيّدةٍ وقادرةٍ تبقى مُهَدّدةً بالتفكّك، أمّا العيشُ المُشتَركُ فلا يزدهرُ إلّا في ظلِّ مؤسّساتٍ عادلةٍ تحمي الحقوقَ وتصونُ الحرّيّاتِ وتُؤمّنُ تكافؤَ الفرصِ بينَ جميعِ المواطنين.
وعلى هذا الأساس فإنّ الجامعاتِ والمؤسّساتِ التربويّةَ والثقافيّةَ مَدْعُوّةٌ إلى أداءِ دورٍ محوريٍّ في ترسيخِ هذہ الثقافة: ثقافة الدولة. فالمواطنةُ ليست مُعْطًى طبيعيًّا يولدُ مع الإنسان، وإنّما هي بناءٌ تربويٌّ وأخلاقيٌّ وثقافيٌّ طويلُ الأمد. وكلّما نجحنا في تكوينِ أجيالٍ مؤمنةٍ بالدولةِ والقانونِ والتعدّديّةِ والحوار، اقتربنا أكثرَ من تحقيقِ الحلمِ اللبنانيِّ الذي ناضلَ من أجلِه المؤسّسونَ الأوائل. وهذا ما حاولنا أنْ نكرِّسَهُ في الإطارِ الوطنيّ لِمنهاجِ التعليمِ العامّ ما قبلِ الجامعي الذي عَمِلتُ عليهِ يومَ كنتُ وزيرًا للتربيةِ والتعليم العالي وقد أطلَقتُ ورشةَ تطويرِ المناهجِ التربويّةِ في المركزِ التربويّ للبحوثِ والإنماء مع نخبةٍ كبيرةِ مِن أهلِ الإختصاصِ والرأيِّ في لبنان.
4- خاتمة الوفاء للحويّك: التمسُّك بلبنان الواحد
إنّ استعادة إرث البطريرك الياس الحويّك اليوم ليست بحثًا عن أجوبة جاهزة لكل أسئلة الحاضر، بل استلهامًا لمبادئ ما زالت تحتفظ براهنيّتها: الإيمان بلبنان وطنًا جامعًا لجميع أبنائه، والتمسّك بالسيادة والاستقلال، واحترام التعدديّة باعتبارها مصدر غنى، وتغليب الحوار والتفاهم على منطق الصّراع والإقصاء. وهي المبادئ نفسها التي تتجلّى في ما أطلقنا عليه تسمية “الطائف التربوي”، بوصفه محاولة لترسيخ ثقافة الدولة والمواطنة في الأجيال الجديدة، انطلاقًا من قناعة بأنّ بناء الوطن لا يكتمل إلاّ ببناء الإنسان القادر على حمل قيمه والدفاع عنها.
لقد كانَ الحويّك مؤمنًا بلبنانَ الكبير وطنًا جامعًا، لا ملاذًا لجماعةٍ دونَ أخرى، ولا مشروعَ انعزالٍ أو انكفاء. ولذلك، فإنّ الحفاظَ على إرثِه يقتضي التمسّكَ بفكرةِ الدولةِ الواحدةِ الجامعةِ، وعدمَ الانجرارِ وراءَ الدعواتِ التي تُغذّي الانقسامَ أو الفدراليّة أو تُعيدُ إنتاجَ الحواجزِ بينَ اللبنانيّين، أيًّا كانَ مصدرُها أو الدافعُ إليها.
صحيحٌ أنّ ما يمرُّ به لبنانُ اليومَ من أزماتٍ عميقةٍ ومخاطرَ وجوديّةٍ قد يدفعُ بعضَ النفوسِ إلى اليأسِ أو إلى البحثِ عن حلولٍ تُوحي بالأمانِ الآنيّ، غيرَ أنّ التجاربَ التاريخيّةَ تُعلّمُنا أنّ الأوطانَ لا تُبنى بالتقوقعِ ولا تتعافى بالتفكّك، وأنّ المراحلَ الصّعبةَ، مهما طالت، تبقى عابرةً أمامَ إرادةِ الشعوبِ وقدرتِها على النهوض.
وبالتالي فإنّ الوفاءَ الحقيقيَّ للبطريركِ الحويّك يَكمنُ في التمسّكِ بلبنانَ الذي أراده وسعى إلى قيامِه، ولا سيّما من خلالِ نضالِه المشتركِ مع مطرانِ زحلة للرومِ الملكيّين الكاثوليك المطران كيرللس مغبغب، عبرَ المذكّراتِ والعرائضِ التي رفعاها إلى مؤتمرِ الصلحِ دفاعًا عن حقِّ لبنانَ في الاستقلالِ والكيان. فالمسيحيّونَ الذينَ كانَ لهم دورٌ أساسيٌّ في ولادةِ هذا الوطنِ مدعوّونَ اليومَ، أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، إلى التمسّكِ برسالتِه التاريخيّةِ والوطنيّةِ، وإلى المساهمةِ في حمايةِ وحدتِه وصونِ العيشِ المشتركِ بينَ أبنائِه، لأنّ في ذلكَ حفظًا لإرثِ الحويّك، وصونًا للبنانَ نفسِه.
ولعلّ خيرَ ما ننهي به هو ما عبّرَ عنهُ البطريركُ الياس الحويك في رؤيةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ سبقت عصرَها ولا تزالُ تحتفظُ براهنيّتِها إلى يومِنا هذا، إذ قال: “بالنسبة إليّ لا يوجد في لبنان طوائف، ولكنّ طائفةً واحدةً اسمُها الطائفةُ اللبنانيّة، ولا أفتّشُ إلّا عن مصلحةِ لبنان، وإنّني مستعدٌّ أن أتحمّلَ كلَّ التضحياتِ لتحقيقِ هذا الهدف… لبنانيّونَ نحنُ، لبنانيّينَ سنبقى”.




