هل دقّت ساعة المواجهة الكبرى؟

تشهد المنطقة تصعيدًا لافتًا على أكثر من جبهة، مع تصريحات أميركية وإقليمية رفعت منسوب التوتر. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الهجوم الإيراني الذي استهدف قاعدة أميركية في الأردن كان مفاجئًا، مشيرًا إلى أن القوات الأميركية لم تمتلك سوى دقائق لاعتراض الصواريخ، ومتوعّدًا بأن الولايات المتحدة ستلقّن الإيرانيين درسًا قاسيًا. في المقابل، أصدرت الحكومة العراقية موقفًا شديد اللهجة استنكرت فيه ما وصفته باعتداءات أميركية وسعودية على الأراضي العراقية، مؤكدة إعداد خطة للتصدّي لأي انتهاك لسيادة البلاد. وإذا صحّت هذه المعطيات، فإنها تعكس انتقال المنطقة إلى مستوى جديد من التوتر السياسي والعسكري.
لم تعد التطوّرات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط تبدو كحوادث منفصلة أو ردود فعل محدودة، بل باتت ترسم مشهدًا إقليميًا جديدًا تتداخل فيه الجبهات من الخليج والعراق واليمن إلى لبنان. فالتصعيد المتزامن، وتعدّد ساحات المواجهة، يوحيان بأن المنطقة تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تحاول كلّ قوّة فرض معادلاتها قبل أي مواجهة واسعة أو تسوية محتملة.
ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، التي اكتسبت أهمية خاصة في ظلّ التطورات المتلاحقة. فالمحادثات لم تقتصر على الملفات الثنائية، بل تناولت مستقبل المواجهة مع إيران، ومستوى التنسيق بين واشنطن وتل أبيب في حال اتساع دائرة الاشتباك. وبينما تبقى الخيارات الدبلوماسية مطروحة، تشير التطوّرات إلى استعداد الطرفين لسيناريوات متعدّدة، ومن بينها اللجوء إلى خيارات عسكرية إذا فرضتها الوقائع الميدانية.
في قلب هذا المشهد تقف إيران، التي تبدو، وفق قراءة عدد من المراقبين، كأنها تنتقل من سياسة الردّ التقليدي إلى محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة، عبر توجيه رسالة مفادها أن أي مواجهة معها لن تبقى محصورة داخل حدودها، وأن ساحات نفوذها الممتدّة في المنطقة يمكن أن تتحوّل إلى أدوات ضغط في أي صراع مقبل.
في المقابل، تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما أمام اختبار معقّد: كيفية الردّ على هذه الرسائل من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية يصعب احتواء تداعياتها. فالملف الإيراني، ولا سيّما البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي، عاد بقوّة إلى واجهة الأولويات، فيما تبدو الخيارات العسكرية حاضرة إلى جانب المسار الدبلوماسي، مع تضاؤل هامش المناورة السياسية.
أما الساحات المرتبطة بإيران، من العراق إلى اليمن وصولًا إلى لبنان، فتتحوّل مجدّدًا إلى نقاط اشتباك محتملة. فالعراق يواجه تحدّيات داخلية مرتبطة بحصر السلاح في يد الدولة، لكنه يجد نفسه أيضًا في قلب التجاذب الأميركي – الإيراني. واليمن يبقى ورقة ضغط استراتيجية بفعل موقعه المشرف على مضيق باب المندب، فيما يظلّ لبنان إحدى أكثر الجبهات حساسية، في ظلّ استمرار التوتر على الحدود الجنوبية وتشابك الحسابات الداخلية مع التحوّلات الإقليمية.
وفي هذا السياق، تكتسب الممرّات البحرية أهمّية متزايدة، سواء في مضيق هرمز أو في باب المندب، باعتبارهما ورقتي ضغط استراتيجيتين لا تقتصر تداعيات أي اضطراب فيهما على البعد العسكري، بل تمتدّ إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل التجارة الدولية.
ورغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة بين واشنطن وطهران عبر وسطاء، فإن المؤشرات الميدانية توحي بأن منطق القوّة عاد ليتقدّم على منطق التفاوض. فكلّ طرف يسعى إلى تحسين موقعه الميداني والسياسي قبل أي تسوية محتملة، الأمر الذي يرفع مستوى المخاطر ويزيد احتمالات سوء التقدير.
ولا يقتصر السؤال الأكبر اليوم على كيفية ردّ الولايات المتحدة وإسرائيل على هذا التصعيد، بل يتعدّاه إلى ما إذا كان ما يجري تصعيدًا محسوبًا يهدف إلى تحسين شروط التفاوض وفرض وقائع جديدة، أم أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة قد تخرج فيها الأحداث عن السيطرة؟
فالمشهد الإقليمي يقف عند مفترق بالغ الحساسية، حيث باتت الجبهات مترابطة أكثر من أي وقت مضى، وأصبح أي خطأ في الحسابات أو أي ردّ يتجاوز الحدود المرسومة كفيلًا بإشعال مواجهة أوسع، قد تمتدّ آثارها من طهران إلى بغداد وبيروت، ومن باب المندب إلى مجمل الشرق الأوسط.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل شكّلت زيارة نتنياهو إلى واشنطن محطّة لتنسيق الردع ومنع الانفجار، أم أنها كانت تمهيدًا لمرحلة أكثر سخونة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة؟
ناديا غصوب – نداء الوطن




