أخبار محلية

المنطقة على موعد مع الحرب مجدداً

تكثر التحليلات والقراءات حول السيناريوهات المحتملة لما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة على المستويَين العسكري والسياسي، فالمعطيات وتطوُّرات الأحداث على كافة الأصعدة، تشي بأنّ الهدف الرئيس لهذه المواجهة يتمثل بإعادة تشكيل للمحاور القائمة منذ عقود، وبأنّ إعادة التشكيل هذه قد تطال عوامل جغرافية، لتثبيت نفوذ سياسي واقتصادي لعقود قادمة.

لا شك أنّ المواجهة العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية تشكّل محوراً أساسياً في تحديد أهداف الصراع الحاصل بينهما، وهنا يكمن السؤال الأبرز، وتحديداً ما يتعلّق بأشكال استمرار المواجهة بين الطرفَين. أخبارجريدة الجمهورية

ثمة مَن يستبعد الحرب الواسعة، ويرجّح سيناريو المراوحة، أي بقاء الأمور على ما هي عليه عالقة بين الحرب واللاحرب، ويعتبر أنّ إيران تستفيد من هذا النهج باستنزاف الولايات المتحدة، أقلّه خلال الفترة المتبقية للرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، لينتقل الرهان في ما بعد على خلفه. لكنّ مجريات الأحداث تؤكّد أنّه حتى الآن لا يلوح في الأفق أي معطى يستبعد ضرورة الحسم في هذه الحرب لدى الجانبَين الإيراني والأميركي، لذلك فإنّ المنطقة ستكون على موعد مع جولة حرب ضمن مسلسل الحرب الكبرى، التي لا يمكن أن تنتهي إلّا بتثبيت قواعد جديدة.

من الجانب الإيراني، يبدو أنّ القيادة الجديدة في الجمهورية الإسلامية، باتت على قناعة بأنّ لعبة كسب الوقت لم تعُد لمصلحتها، وأنّ تضييق الحصار الاقتصادي وتوسيع رقعة الاستهدافات العسكرية من قِبل الولايات المتحدة، سيؤدّيان مع مرور الوقت إلى إضعاف قدرات الدولة الإيرانية في الاستجابة سياسياً ومالياً وحتى عقائدياً، لمتطلّبات المحور الذي عملت على بنائه منذ ثمانينات القرن الماضي.

سياسياً، وبعد الضربات التي أصابت محور قوى المقاومة الموالية لإيران، وتحييد راية غزة عن عناوين المواجهة، من الصعب على طهران استبدال هذه الراية، لعدم توفّر عنوان آخر بحجم وأحقية قضية الشعب الفلسطيني، لاستمرار تعبئة وتغذية النهج المقاوم.

أمّا على المستوى الاقتصادي، فإنّ تراجع القدرات المالية للجمهورية الإسلامية في توفير أدوات المواجهة والصمود للقوى التي تدور في فلك سياساتها بالمنطقة، من شأنه أن يُصيب قوى المحور باهتزازات، ستدفع هذه القوى بشكل تدريجي لتتراجع عن خياراتها. وهنا لا يبقى سوى المستوى العقائدي الذي لا يمكن زعزعته إلّا برفع نسبة الخسائر البشرية والمادية والمزيد من العنف والدم، للدفع إلى التراجع عن هذا النهج، وأيضاً لا بُدّ من تعزيز قدرة الدول التي تتواجد فيها القوى الموالية لإيران (لبنان، العراق، اليمن) لتحقيق استقرار أمني وسياسي واقتصادي، تكريساً لفكرة بأنّ خيار المقاومة لم يجلب إلّا الويلات، وبأنّ خيار الإنضواء تحت عباءة الدولة هو الخيار الأمثل. أخبارلبنان

أمّا على الضفة الأميركية، فخيار المراوحة بين الحرب واللاحرب يبدو مستبعداً، لا سيما أنّه يعزّز فُرَص إيران في فرض معادلة (العين بالعين)، وفق المعادلة الحالية (استهداف أي موقع على أراضي الجمهورية الإسلامية يُقابَل بردّ سريع على قواعد أميركا العسكرية في المنطقة)، وبذلك فإنّ عامل تمرير الوقت لا يصبّ في مصلحة الإدارة الأميركية، ولا يلبّي رغبات ترامب بتركيع طهران، لا بل يُفقد واشنطن هيبتها وهيمنتها على مسرح السياسة الدولية الذي فرضته بقدراتها العسكرية والاقتصادية الكبرى.

انطلاقاً من ذلك، ستسعى الولايات المتحدة لاتخاذ قرارات حاسمة على المستوى العسكري، على اعتبار أنّ أي تراجع لها في مسار المفاوضات سيكرّس دور طهران كلاعب إقليمي وباعتراف دولي، زد على ذلك، أنّ الضمانة للوصول إلى أي حل عبر المفاوضات، يحتاج إلى عاملَين مهمَّين وهما غير متوفّرَين.

العامل الأول، هو الثقة في تنفيذ الالتزامات. بالطبع الثقة بين الجانبَين معدومة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية عام 1979، كما وأنّ ليس لدى الوسطاء ورعاة المفاوضات الحاليّين أوراق ضغط لإلزام الطرفَين على تنفيذ بنود أي اتفاق محتمل. أخبارجريدة الجمهورية

أمّا العامل الثاني، الذي لا يقلّ أهمّية عن الأول، وهو ترسيخ معادلة توازن واضحة، تُبنى على أساسها بنود الاتفاق بينهما، فلا إيران بوضعها الحالي قادرة على فرض معادلة تتماشى مع أجندتها السياسية والعسكرية لتطرحها كعوامل قوّة وضغط على طاولة التفاوض لتحقيق مكتسبات، ولا الولايات المتحدة قادرة على كسر إرادة إيران وطموحها في البقاء على كرسي اللاعبين الإقليميّين في المنطقة، خصوصاً أنّ رهان البيت الأبيض على سقوط النظام الإيراني بعد اغتيال قياداته السياسية والروحية والعسكرية، قد ذهب أدراج الرياح بالتفاف الشعب الإيراني حول قيادته الجديدة.

في المحصّلة، ليس لدى الجمهورية الإسلامية قدرات تمكّنها من إضعاف فعالية أميركا العسكرية ونفوذها السياسي والاقتصادي، وليس لدى واشنطن أي فرصة للحفاظ على مكانتها كقوّة عظمى إلّا من خلال إخضاع إيران لشروطها، من هنا فإنّ الحرب الكبرى قادمة، ولا تنتهي إلّا وفق معادلة الربح والخسارة.

عمر الصلح- الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |