سنوات من الحفر.. فكيف بنى “الحزب” جمهوريته السرية؟

نداء الوطن – نخله عضيمي
بينما كان اللبنانيون ينظرون إلى ما يحدث فوق الأرض على مدى سنوات من أزمات سياسية مفتعلة وانهيار اقتصادي ممنهج وتعطيل لمؤسسات الدولة، كانت قصة أخرى تكتب في العمق. قصة لا ترى بالعين المجردة، بل تقاس بالأمتار تحت الصخور والجبال، حيث نشأت بنية عسكرية وأمنية متكاملة، حفرت بصمت على مدى أكثر من عقدين.
بناء الأنفاق لم يميز بين منازل مدنية ومناطق أثرية، والأنفاق الاستراتيجية أسفل قلعة الشقيف دليل على ذلك باعتبارها إحدى النقاط التي اكتسبت أهمية عسكرية في أكثر من مواجهة. وقد شكلت مقرًا مركزيًا لوحدة “بدر” في جنوب لبنان، بتمويل من النظام الإيراني.
أما تدميرها بـ 700 طن من المتفجرات فيدل على ضخامتها بعدما تحولت هذه الأنفاق من وسيلة قتالية في زمن الحرب إلى فلسفة كاملة في إدارة القوة. وهكذا كلما ضعفت الدولة فوق الأرض، تمددت “الدولة الموازية” تحتها. عالم آخر لا يخضع لخرائط الدولة اللبنانية ولا لرقابتها، يمتلك طرقه الخاصة، ومستودعاته، ومراكز قيادته، وشبكات اتصاله، ومخازنه، بما يضمن استمرار العمل حتى في أصعب الظروف. ويعتبر مراقبون عسكريون أن هناك مئات الأنفاق كاملة التجهيزات في كل مكان يتواجد فيه حزب الله. وتربط شبكة الأنفاق بين 3 مراكز مهمة، هي مقر “حزب الله” الرئيس في الضاحية الجنوبية، والمواقع الدفاعية في الجنوب، ومركز العمليات اللوجستية في منطقة البقاع.
وأسفرت عمليات المسح التي نفذها الجيش اللبناني قبيل الاحتلال الاسرائيلي للجنوب وبالتنسيق مع الميكانيزم عن اكتشاف مداخل لأنفاق أو منشآت عسكرية داخل أو بمحاذاة منازل ومبانٍ مدنية، الأمر الذي طرح بقوة تداخل البنية العسكرية مع النسيج المدني. وهذا ما يشكل حتى الساعة عقدة الكشف في المناطق التجريبية والتي ستبحث في اجتماع روما 2 في الرابع والخامس من آب في السفارة الأميركية.
ووفق تقارير عسكرية، لم تكن بعض المنازل مجرد مساكن، بل شكلت، في حالات محددة، غطاء لفتحات أو ممرات تؤدي إلى منشآت تحت الأرض، بما يسمح بإخفاء الحركة وتأمين عنصر المفاجأة وتقليل فرص الرصد الجوي.
وما يظهر اليوم من منشآت أو مواقع ليس إلا الجزء المرئي من قصة طويلة بدأت منذ سنوات، ولا تزال آثارها ترسم ملامح الصراع على هوية الدولة اللبنانية ومستقبلها.
بدأ المشروع بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، لكنه تسارع بصورة كبيرة بعد حرب تموز 2006. يومها استخلص “حزب الله” أن المعركة المقبلة لن تحسم فقط بالصواريخ، بل بقدرة المقاتلين على الاختفاء تحت الأرض، والتحرك بعيدًا من الاستهداف الجوي. ومنذ ذلك الحين، تحولت أجزاء واسعة من الجنوب إلى ورشة تحصين طويلة الأمد.
ومع مرور السنوات، أصبحت أنفاق “حزب الله” عنوانًا لمعادلة جديدة: دولتان في جغرافيا واحدة. واحدة تعمل فوق الأرض، مثقلة بالأزمات والعجز والانقسام، وأخرى بنت قدراتها بصمت في باطن الأرض.
ولم يقتصر المشروع على الممرات الضيقة، بل تطور إلى بنية تحتية متكاملة تحت الأرض، تضم مخازن للأسلحة والذخائر، وغرف قيادة، ومسارات تتيح انتقال المقاتلين والعتاد بعيداً من الاستهداف المباشر. وهذا النوع من المنشآت يحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل، وإدارة هندسية ولوجستية معقدة، وقدرة على نقل كميات هائلة من الصخور والأتربة من دون إثارة الانتباه. كما يحتاج المشروع إلى آلات ثقيلة هيدروليكية، تشمل أعمال الحفر والتدعيم بالخرسانة والتهوئة والكهرباء والاتصالات والتمويه ويستغرق العمل في النفق الواحد شهور عدة.
وهكذا, ساعدت الأنفاق “حزب الله” على إخفاء أكثر من 1500 منصة لإطلاق الصواريخ، كان من الصعب على سلاح الجو الإسرائيلي تحديد مواقعها، ومكنت الحزب من تخزين العتاد والأسلحة والغذاء والماء؛ مما جعل المقاتلين قادرين على مواصلة الحرب أسابيع من دون الحاجة إلى إمدادات إضافية.
وتنقسم دويلة الحزب تحت الأرض إلى 3 أنواع: أنفاق سطحية لنقل العناصر والمواد ويمكن تدميرها من الجو، وأخرى أكثر عمقًا تستخدم مستودعات للأسلحة والذخيرة، أما الفئة الثالثة فيصل عمقها إلى 60 مترًا منيعة ضد الهجمات الجوية.
والسؤال: كم صرفت إيران على أنفاق “حزب الله”؟ الأكيد أن المشروع كلف موارد مالية ضخمة. وتكشف تقديرات عسكرية ودراسات متخصصة أن إنشاء مثل هذه الشبكات يحتاج إلى استثمارات كبيرة كلفتها الإجمالية تتراوح بين مئات الملايين ومليارات من الدولارات.
ولو خصص جزء من هذه الأموال لتحديث البنية التحتية اللبنانية، لكان بالإمكان إنشاء عشرات المدارس، وتجهيز مستشفيات وتأهيل مئات الكيلومترات من الطرق، أو بناء معامل إنتاج كهرباء يحتاج إليها اللبنانيون منذ عقود.
إذا, وبعد استهداف إسرائيل الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله في أعماق الضاحية, وبعد التفجير المخيف لأنفاق الشقيف, وبين عقيدة ما فوق الأرض وما تحتها, يبقى السؤال: هل ما زالت شبكة الأنفاق تشكل عنصر ردع كما أرادها الحزب أم أنها أصبحت شاهدًا على مرحلة انتهت بعدما انكشف جزء كبير من عالم ظل لعقود أحد أكثر أسرار “حزب الله” الدفينة؟




