جنبلاط يرسم “قدر” لبنان… تفاوض مع إسرائيل وعلاقة دولة بدولة مع سوريا

أكد الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أن تحسين العلاقة مع سوريا وتمتينها “مفيد جدًا لتعزيز الوحدة الوطنية في لبنان”، مشددًا على ضرورة أن تكون العلاقة بين البلدين “من دولة إلى دولة”، وعلى تحصين لبنان ووحدته الوطنية في ظل التحالفات الإقليمية الجديدة.
وقال جنبلاط، خلال حفل توقيع مذكراته “قدر في هذا المشرق”، ردًا على سؤال حول موقع لبنان في ظل التحالفات الإقليمية الجديدة: “لنبقَ على قدرنا في لبنان، ونعرف كيف نفاوض ونقوي أنفسنا ووحدتنا الوطنية، ونجري حوارًا مع جميع الأطراف، ونحسّن علاقتنا مع سوريا من دولة إلى دولة”.
وأضاف أن “التحالفات الاستراتيجية الكبرى لا نستطيع أن نؤخرها أو نقدمها”، داعيًا إلى التركيز على تحصين لبنان ووحدته الوطنية.
وعن الوجود السوري السابق في لبنان، أشار جنبلاط إلى أن ظروف عام 1976 كانت مختلفة، معتبرًا أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر أعطى حينها الضوء الأخضر للنظام السوري لدخول لبنان وإنهاء منظمة التحرير الفلسطينية وما كان يُعرف بـ”القرار الوطني الفلسطيني المستقل”.
وفي ملف التفاوض مع إسرائيل، أوضح جنبلاط أنه كان من المؤيدين لخيار التفاوض، سواء كان مباشرًا أو عبر وسيط، لكنه رأى أن لبنان دخل المفاوضات “بورقة ضعيفة”، معتبرًا أنه كان من الضروري التمسك بالاتفاقيات القائمة، وفي مقدمها اتفاق الهدنة.
وتطرق إلى مسار رئيس الجمهورية جوزاف عون واعتراض رئيس مجلس النواب نبيه بري، فقال: “أنا إلى جانب الرئيس عون، وأعتقد أن من حق الرئيس بري أن يبدي اعتراضه، لكن علينا أن نتناقش وألا ندخل في جبهات صغيرة أو كبيرة”.
وحذّر جنبلاط من مخاطر التطبيع، معتبرًا أن الخشية لا تكمن في التقسيم بقدر ما تكمن في “الهوى الإسرائيلي الجنوبي”، على حد تعبيره، مؤكدًا تمسكه بوجود حاجز أمام التطبيع في لبنان.
وأضاف أنه ساهم مع رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في تثبيت عقيدة عربية للجيش اللبناني وتحديد العدو، معربًا عن خشيته من أن يؤدي أي مسار تطبيعي إلى فتح نقاش حول تغيير عقيدة الجيش.
وشدد جنبلاط على ضرورة البقاء “عربًا ووطنيين ومتمسكين بالحق الفلسطيني”، معتبرًا أن الحق الفلسطيني يشكل أساسًا للحق العربي.
كما وصف المصالحة الوطنية التي أُنجزت مع البطريرك الراحل نصرالله صفير بأنها “محطة مرجعية”، مؤكدًا ضرورة الحفاظ عليها رغم الظروف الصعبة.
وفي معرض حديثه عن مذكراته، شدد جنبلاط على أن كل ما ورد في الكتاب يمثل وجهة نظره الشخصية، وليس “حقيقة مقدسة”، معتبرًا أن لكل شخص سرديته وقراءته الخاصة للأحداث.
وعن الحزب التقدمي الاشتراكي، قال إن كمال جنبلاط كان يسبقه “بمساحات فكرية وسياسية”، مشيرًا إلى أن الظروف تغيرت بعد اغتياله ودخل الحزب في مرحلة عسكرية، رغم استمرار وجود رفاق ومؤيدين من خارج الطائفة.
واستعاد جنبلاط خلال الحفل محطات من مسيرته العائلية والسياسية الممتدة لنحو 50 عامًا، متوقفًا عند اغتيال والده كمال جنبلاط، وانتقال القيادة إلى نجله تيمور جنبلاط، فضلًا عن مراحل أساسية شهدها لبنان والمنطقة.
وقال: “نجوت حتى الآن من قدر الاستشهاد والموت والاغتيال الذي رافق عائلتي منذ جدي فؤاد جنبلاط مرورًا بوالدي”، في إشارة إلى المسار الذي طبع تاريخ عائلته على مدى عقود.
وتحدث عن اغتيال والده كمال جنبلاط، معتبرًا أن الأخير رفض التدخل السوري في لبنان وما كان يعنيه، وفق تعبيره، من سيطرة على لبنان وعلى القرار الفلسطيني المستقل، كما اتهم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد باستخدام الأقليات وتصفية عدد من رفاقه ونفي آخرين.
وأشار إلى أن كمال جنبلاط كان يؤمن بـ”الصورة الكبرى القائمة على التعدد الديمقراطي في المنطقة”، موضحًا أنه، رغم صداقته مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، تمسك باستقلال لبنان وسعى إلى تطوير نظامه باتجاه نظام ديمقراطي علماني أفضل.
وعن المرحلة التي أعقبت اغتيال والده، قال جنبلاط إنه عندما تسلّم العمل السياسي والحزب كان يعتبر أن المسيرة لا تزال في بدايتها، مضيفًا: “اليوم، بعد نحو 50 عامًا، لا نزال في أول الطريق، والطريق صعب جدًا ومليء بالمخاطر”.
وتطرق إلى ما سمّاه “حلف الأقليات”، معتبرًا أن لبنان قام على هذا الحلف، وأن تطورات المنطقة بعد انهيار العراق ودخول إيران بقوة على خطها عززت هذه المعادلة، مضيفًا أن إسرائيل لا تزال، بحسب رأيه، تراهن على فرضية تمتد من لبنان إلى سوريا والعراق وإيران.
وفي ما يتعلق بالانتقال الحزبي، أكد جنبلاط أن نجله تيمور تسلّم الراية منذ سنوات، لكنه أشار إلى أنه اضطر إلى التدخل مجددًا بفعل ظروف حرب غزة وفلسطين، لافتًا إلى أن التعاون قائم بينهما وأنهما يتقاسمان الأدوار في المرحلة الحالية.
وأعرب عن ثقته بقدرة تيمور جنبلاط على مواجهة التحديات المقبلة مع الفريق الذي تسلّمه، إلى جانب الكوادر والنخب، وخصّ بالذكر توفيق سلطان.
أما عن مذكراته، فكشف جنبلاط أنه بدأ العمل عليها قبل 3 سنوات، وأملاها على الكاتب سيباستيان دي كورتوا، بمساعدة مروان حمادة وغازي العريضي ونورا جنبلاط.
وأوضح أنه حاول في الكتاب استعادة أكبر قدر ممكن من ذكريات نصف قرن، لكنه اختار إنهاء السرد عند اتفاق الطائف، مشيرًا إلى أن استيعاب كامل المحطات التي عاشها في كتاب واحد لم يكن ممكنًا.
ويأتي إصدار “قدر في هذا المشرق” بوصفه عملًا توثيقيًا يستعيد فيه جنبلاط جانبًا من تجربته الشخصية والعائلية والسياسية، من مرحلة والده كمال جنبلاط وصولًا إلى سنوات توليه قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي.
وتتناول المذكرات محطات من الحرب اللبنانية والتطورات التي شهدها لبنان والمنطقة خلال تلك المرحلة، إضافة إلى أحداث رافقت انتقال جنبلاط إلى العمل السياسي بعد اغتيال والده، قبل أن يختار اتفاق الطائف محطة ختامية للسرد.
وكان جنبلاط قد بدأ خلال السنوات الماضية عملية انتقال تدريجي للقيادة الحزبية إلى نجله تيمور، الذي تولى رئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي، فيما استمر وليد جنبلاط في الحضور في عدد من الملفات العامة والسياسية.



