أخبار محلية

مات مرتين… حكاية اللبناني الذي اتُّهم بعد مقتله في لوكربي

لم تنتهِ مأساة الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر عندما انفجرت طائرة “بان أميركان” فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية. فبعد مقتله، تحوّل الضحية العربية الوحيدة على متن الرحلة إلى مشتبه به، وطاردته فرضيات الإرهاب قبل أن تحسم المحكمة، بعد سنوات، أن حقيبتيه لم تحتويا على قنبلة ولم تكونا مصدر الانفجار.

وبحسب تقرير للصحافية كوثر وكيل في صحيفة “الشرق الأوسط”، صعد جعفر في 21 كانون الأول 1988 إلى الرحلة رقم 103، المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، من دون أن يعلم أن رحلته ستنتهي فوق لوكربي، في واحدة من أكثر الجرائم الجوية تعقيداً وإثارة للجدل في القرن العشرين.

كان جعفر في الـ20 من عمره، ويحمل الجنسيتين اللبنانية والأميركية. وُلد في إحدى بلدات البقاع، قبل أن يهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان. وكان يدرس الهندسة المعمارية في جامعة سيراكيوز، فيما عُرف لاحقاً في السجلات المتداولة للقضية بـ”الراكب رقم 53”.

وأعاد مسلسل “تفجير بان آم 103″، الذي أنتجته شبكة “نتفليكس” بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”، اسم جعفر إلى الواجهة، لكن قصته الحقيقية تتجاوز الدراما التلفزيونية. فهي تكشف كيف يمكن للاسم والهوية والأصل الجغرافي أن تحوّل الضحية، في الساعات الأولى للكوارث، إلى متهم لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

فور سقوط الطائرة، اتجهت أنظار المحققين والصحافة الغربية إلى قائمة الركاب، بحثاً عن أسماء أو ملامح شرق أوسطية. وبصفته العربي الوحيد على متن الرحلة، أصبح جعفر هدفاً سهلاً للشكوك. وتراوحت الفرضيات بين احتمال أن يكون “انتحارياً”، أو أن تكون جهة فلسطينية أو إيرانية قد وضعت قنبلة في أمتعته من دون علمه.

زادت الشكوك بعدما قالت راكبة شاهدته في مطار فرانكفورت إنه بدا متوتراً أو تصرف بطريقة أثارت ريبتها. كما أُثيرت أسئلة حول تجمع عدد من العرب لتوديعه في محطة قطارات دورتموند قبل توجهه إلى المطار، وما إذا كان أحدهم قد دسّ شيئاً في أمتعته.

لكن ما بدا مادة مثالية لنظرية استخباراتية انهار أمام الأدلة الجنائية.

ففي الحكم الرسمي لمحكمة لوكربي، أفرد القضاة مساحة واضحة للتحقيق في فرضية استخدام جعفر لإدخال القنبلة إلى الطائرة من فرانكفورت. وأثبتت الإفادات أنه وصل إلى ألمانيا من لبنان قبل أسابيع، وأقام في دورتموند لدى حسن الصالحي، الذي شاهد عملية توضيب حقيبتيه وأكد أنهما لم تحتويَا سوى على الملابس.

كما لم يجد التحقيق أي دليل على وضع شيء داخل الحقيبتين خلال تجمع الوداع في محطة دورتموند، ولم يثبت أن جعفر وصل إلى المطار ومعه حقيبة إضافية. وأظهرت سجلات الرحلة أنه سجل حقيبتين فقط، هما نفسيهما اللتان حملهما معه منذ وصوله إلى ألمانيا.

أما الدليل الحاسم، فجاء بعد تحطم الطائرة. فقد عُثر على حقيبتي جعفر بالقرب من بعضهما، وتبيّن أنهما لم تتعرضا لأضرار ناجمة عن انفجار قريب. وخلصت المحكمة بصورة صريحة إلى أن أياً منهما لم يحتوِ على عبوة ناسفة.

بهذا الحكم، سقطت رسمياً فرضية “الراكب الانتحاري” أو “حامل القنبلة”، لكن تبرئة جعفر القضائية لم تمحُ الشبهة التي التصقت باسمه في الأرشيف الإعلامي والاستخباراتي. لقد أصبح جزءاً من قصة التفجير، لا بصفته واحداً من الضحايا، بل بوصفه فرضية ظلت تتكرر حتى بعد إسقاطها بالأدلة.

أودى تفجير الرحلة بحياة 270 شخصاً، بينهم 259 كانوا على متن الطائرة و11 قُتلوا على الأرض في لوكربي، وفق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي. وفي عام 2001، أُدين الليبي عبد الباسط المقرحي بالجريمة، فيما بُرئ المتهم الثاني الأمين خليفة فحيمة.

لكن القضية لم تُغلق نهائياً. فبعد أكثر من 37 عاماً، تستعد محكمة أميركية للنظر في ملف الليبي أبو عجيلة مسعود خير المريمي، المتهم بالمشاركة في صنع العبوة التي دمّرت الطائرة. وتُظهر سجلات وزارة العدل الأميركية أن القضية لا تزال مفتوحة، وسط نزاع قانوني بشأن إفادة منسوبة إلى مسعود قال الدفاع إنها انتُزعت منه تحت الإكراه، بينما قررت المحكمة السماح باستخدامها ضمن الأدلة.

عودة الملف إلى القضاء تعيد بدورها طرح السؤال الذي رافق لوكربي منذ البداية: من وضع القنبلة، وكيف دخلت إلى الطائرة، وأي مسار سلكته قبل الانفجار؟

لكن بالنسبة إلى خالد جعفر، حُسم الجزء المتعلق به منذ زمن. لم تحمل حقيبتاه العبوة، ولم يجد القضاء دليلاً على تورطه أو استخدامه لإدخالها. كان شاباً في طريقه إلى الولايات المتحدة لزيارة والده، فتحوّل اسمه بعد موته إلى ساحة لصراع استخباراتي وسياسي لم يختر أن يكون جزءاً منه.

قصة “الراكب رقم 53” ليست مجرد هامش لبناني في مأساة دولية. إنها قصة ضحية ماتت مرة في الطائرة، ثم دُفعت إلى موت رمزي ثانٍ عندما جرى التعامل مع هويتها العربية بوصفها دليلاً، قبل أن تقول الأدلة الجنائية كلمتها الأخيرة.

Toyota

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |