توم براك يفخّخ مسار جوزاف عون التفاوضي

أطلق المبعوث الأميركي توم براك موقفاً من شأنه أن يخلط أوراق المسار اللبناني – الإسرائيلي، بعدما اعتبر أن الوصول إلى تسوية جدية في لبنان يتطلب إشراك إيران و”حزب الله”، في مقاربة لا تتعارض فقط مع المسار التفاوضي الذي يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون تكريسه، بل تعيد أيضاً دفع لبنان إلى سياسة المحاور التي يسعى للخروج منها.
وجاء كلام براك خلال مقابلة موسعة مع الناشط والإعلامي ماريو نوفل، تناول فيها تعقيدات الملف اللبناني وتشابكه مع المواجهة الإقليمية بين إيران وإسرائيل.
وبحسب براك، فإن جمع القوى اللبنانية المختلفة حول طاولة واحدة لن يكون كافياً للوصول إلى حل إذا بقيت إيران و”حزب الله” خارج المعادلة، متسائلاً: “كيف سيختفي الأمر إذا لم يكن حزب الله وإيران مشاركين؟”.
هذا الكلام لا يمثل مجرد توصيف للنفوذ الإيراني أو لحجم “حزب الله” داخل لبنان، بل يفتح الباب أمام إعادة تعريف طبيعة المفاوضات نفسها، بحيث لا تعود محصورة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، وإنما تتحول إلى مسار إقليمي أوسع تصبح فيه طهران والحزب جزءاً من التسوية.
وهنا تحديداً تكمن مشكلة مقاربة براك. فلبنان يحاول، بعد سنوات طويلة كان خلالها ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، أن يعيد بناء موقعه كدولة مستقلة ذات سيادة، تتخذ قراراتها من خلال مؤسساتها وتفاوض باسم مصالحها الوطنية، لا بوصفها امتداداً لمحور إقليمي أو ورقة في يد أي طرف خارجي. لكن المبعوث الأميركي، بدلاً من دعم هذا المسار، يعيد في كلامه إدخال لبنان إلى قلب لعبة المحاور، وكأن مستقبل الدولة اللبنانية لا يمكن أن يُحسم من بيروت إلا بحضور طهران على الطاولة.
وهذا الطرح يتناقض عملياً مع المقاربة التي يعتمدها الرئيس جوزاف عون، والتي تقوم على تثبيت الدولة باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة التفاوض باسم لبنان، بالتوازي مع معالجة ملف سلاح “حزب الله” داخل الإطار اللبناني وتحت عنوان حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية.
ففي مقاربة عون، تتفاوض الدولة مع إسرائيل على الملفات المرتبطة بالانسحاب ووقف الاعتداءات والترتيبات الأمنية والسيادة اللبنانية، فيما يبقى ملف “حزب الله” شأناً لبنانياً تعالجه الدولة مع اللبنانيين.
أما براك فيخلط المسارين مجدداً. فعندما يشترط عملياً وجود إيران و”حزب الله” للوصول إلى تسوية، فهو لا يمنحهما دوراً في الحل فحسب، بل يعيد الاعتراف بأن لبنان جزء من المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية، وأن قضاياه السيادية لا يمكن فصلها عن المساومات بين القوى الإقليمية.
وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: واشنطن تطالب لبنان ببناء دولة قوية وحصر السلاح بيد مؤسساتها واستعادة قرارها السيادي، فيما يأتي أحد أبرز مبعوثيها ليقول عملياً إن هذه الدولة لا تستطيع إنتاج تسويتها من دون إيران و”حزب الله”. وإذا كانت الدولة هي صاحبة السيادة والقرار، فلماذا ينبغي لطهران أن تجلس إلى طاولة يُفترض أن تبحث في الأرض اللبنانية والأمن اللبناني ومستقبل الحدود اللبنانية؟



