أخبار محلية

ما رأي القانون في قضيّة التمديد للسفير الإيراني؟

نداء الوطن – المحامي إميل عون

سبق للكاتب أن نشر بتاريخ سابق قراءتين قانونيتين في “نداء الوطن” بعنوان “قراءة قانونية لمسألة اعتبار الدبلوماسي الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه” و”رأي قانوني حول الخلط persona non grata و agrement في قراءة القانون الدبلوماسي”. أما هنا، يثير مسألة حساسة بعد رفض لبنان الرسمي في آذار الماضي قبول أوراق إعتماد محمد رضا شيباني سفيراً لطهران، يعود لبنان ويمنحه تأشيرة مجاملة بعيد انتهاء إقامته. من هنا، يطرح الكاتب بعض الاسئلة ويحاول الاجابة عليها، وكلها تتمحور حول السؤال المحدد التالي: هل يجوز للدولة المستقبِلة أن تمنح إقامة عادية لشخص سبق وأعلنته persona non grata؟

بدايةً، لا توجد في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 قاعدة تقول إن إعلان شخص persona non grata يتحول تلقائياً إلى حظر دخول أو إقامة دائمة، ولكن إذا كان إعلان persona non grata قد اقترن، كما في الحالة اللبنانية، بقرار صريح ونهائي يطلب من الشخص مغادرة الإقليم، فإن منحُه لاحقاً إقامة عادية لا يمكن اعتباره مجرد إجراء إداري عادي، بل يحتاج إلى أساس قانوني وقرار صادر عن السلطة المختصة يرفع أو يعدّل أثر القرار السابق، وهذا التفصيل مهم جداً في قضية شيباني. أولًا، تنص المادة 9/1 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 على أن للدولة المستقبِلة أن تخطر الدولة الموفِدة، في أي وقت ومن دون بيان الأسباب، بأن رئيس البعثة أو أي عضو من الطاقم الدبلوماسي هو persona non grata. وفي هذه الحالة يتعين على الدولة الموفِدة، بحسب الحالة، استدعاء الشخص أو إنهاء وظائفه في البعثة، وتضيف المادة 9/2 أنه إذا رفضت الدولة الموفِدة أو لم تنفذ ذلك خلال مدة معقولة، تستطيع الدولة المستقبِلة رفض الاعتراف بالشخص كعضو في البعثة. وهنا تظهر نقطة مهمة جداً، وهي أن المادة 9 لا تقول حرفياً أن الشخص يصبح ممنوعاً من دخول إقليم الدولة المستقبِلة مدى الحياة، ولا تقول أن كل تأشيرة أو إقامة سابقة أو لاحقة تصبح باطلة تلقائياً. وهذا الاستنتاج مهم لأن المادة 9 تعالج أساساً المركز الدبلوماسي للشخص وعلاقته بالبعثة، لا نظام الهجرة والإقامة للأجانب بصورة عامة.

– هل يعني ذلك أن الدولة تستطيع ببساطة منحه إقامة عادية؟

هنا، يجب التمييز بين حالتين، الأولى وهي مجرد إعلان persona non grata، أي عندما لا تقبل الدولة شخصًا معينًا عضواً في البعثة الدبلوماسية، فالأثر الأساسي هو إنهاء أو منع صفته الدبلوماسية. في هذه الحالة، لا يوجد في المادة 9 وحدها نص يمنع الدولة المستقبِلة من أن تسمح له، لاحقاً، بدخول أراضيها بصفته الخاصة إذا قررت ذلك. أما في الحالة الثانية، فيكون الإعلان عن persona non grata ، مضافًا اليه أمر بالمغادرة. وهذه هي الحالة اللبنانية، بحسب الموقف الرسمي المعلن. فلبنان لم يكتفِ برفض اعتماد شيباني، بل أعلنت وزارة الخارجية في آذار 2026 سحب الموافقة على اعتماده واعتباره persona non grata وطلبت منه مغادرة الأراضي اللبنانية(1). واليوم، قبل انتهاء تأشيرته في 24 آب، أعلن وزير الخارجية يوسف رجي أن استمرار وجوده يتعارض مع قرار سيادي نهائي ولا يخضع لـ”تسوية أوضاع” تحت أي مسمى، وهذا يغيّر التفسير القانوني بصورة كبيرة.

– ما هو الأثر القانوني لإعلان persona non grata ؟

لا يمكن اختزال المادة 9 بعبارة “طرد الدبلوماسي”، لأن المادة 9 تنشئ التزاماً على الدولة الموفِدة، ويعني ذلك إما استدعاء الشخص، وإما إنهاء وظائفه في البعثة، وإذا لم تفعل، تستطيع الدولة المستقبِلة رفض الاعتراف به كعضو في البعثة. لكن المادة 43 من الاتفاقية تضيف نقطة بالغة الأهمية اذ تنتهي وظيفة الدبلوماسي، من بين حالات أخرى، عندما تخطر الدولة المستقبِلة الدولة الموفِدة بأنها، وفقاً للمادة 9/2، ترفض الاعتراف به كعضو في البعثة، وهذا لا يساوي بالضرورة حظر أبدي على دخوله الإقليم. ولكن ماذا عن التأشيرة والإقامة؟

هنا نصل إلى المسألة الجوهرية في قضية شيباني، لنعتبر أن التأشيرة أو الإقامة ليستا مصدراً للصفة الدبلوماسية، فالشخص لا يصبح سفيراً لأنه حصل على تأشيرة، ولا يفقد صفته الدبلوماسية لمجرد أن التأشيرة انتهت، وإنما المركز الدبلوماسي تحكمه قواعد اتفاقية فيينا، وخصوصاً المواد 4 و9 و13 و39 و43. لذلك، لا يعيد منح إقامة عادية لشخص persona non grata بأي شكل صفته الدبلوماسية ولا يمنحه agrément ولا يجعله سفيراً.

– ولكن يبقى السؤال: هل يجوز للدولة أن تمنحه إقامة عادية رغم إعلانها له persona non grata؟

برأينا، من حيث القانون الدولي العام، ليس هناك حظر مطلق ناشئ من المادة 9 وحدها، لكن من حيث القرار الوطني المحدد الذي اتخذته الدولة، قد يصبح ذلك غير جائز إذا كان القرار السابق يتضمن أمراً ملزماً بالمغادرة ولم يُلغَ أو يُعدّل وفقاً للأصول. وهنا تحديداً يختلف الكاتب مع التفسير القائل أن المادة 9 وحدها تمنع أي إقامة لاحقة، لأنه لا يوجد في نص المادة 9 أساساً كافياً للقول أن كل شخص persona non grata ممنوع قانوناً، وبصورة مطلقة ودائمة، من الحصول على أي إقامة عادية، هذا أوسع من نص الاتفاقية، والاتفاقية نفسها تميز بين المركز الدبلوماسي وبين الوضع الشخصي للأجنبي. بل إن المادة 39/2 تفترض انتهاء وظائف الشخص الذي يتمتع بالامتيازات والحصانات، وتحدد استمرار تلك الامتيازات خلال فترة معقولة لمغادرة الدولة. وهذا يؤكد أن النظام الاتفاقي يفترض وجود مرحلة انتقالية للمغادرة، وليس إنشاء “منطقة محرمة” دائمة على الشخص. لكن تختلف حالة شيباني بسبب القرار اللبناني نفسه، وهنا تكمن المسألة القانونية الأهم، فإذا كان القرار اللبناني الصادر في آذار قد اقتصر على إعلان persona non grata وطلب مغادرة لبنان، فيمكن نظرياً للدولة اللبنانية، باعتبارها صاحبة القرار، أن تغيّر موقفها لاحقاً وتسمح له بدخول أو إقامة جديدة، بشرط أن يكون ذلك بقرار صادر عن السلطة المختصة. أما إذا كان القرار قد أصبح قراراً نهائياً بإبعاده عن الأراضي اللبنانية، فإن منح إقامة إدارية من جهاز آخر، من دون رفع القرار أو تعديله من السلطة المختصة، يثير مشكلة تعارض القرارات الإدارية وتجاوز الاختصاص قبل أن يكون مشكلة في اتفاقية فيينا، وهذه نقطة أهم من المادة 9 نفسها.

– هل تستطيع وزارة الخارجية أن تعلن persona non grata ثم يمنحه الأمن العام إقامة؟

هنا يجب التفريق بين الاختصاص الدبلوماسي والاختصاص الإداري المتعلق بالأجانب. من حيث المبدأ، ليس غريباً أن تكون هناك سلطات مختلفة، مثلًا لدى وزارة الخارجية بما يختص بالعلاقات الدبلوماسية والاعتماد والـ persona non grata والإدارة المختصة بشؤون الأجانب والدخول والإقامة. لكن لا تستطيع الإدارة المختصة بالإقامة، أن تتخذ قراراً يناقض قراراً سيادياً سابقاً نافذاً من دون أن يكون هناك سند قانوني يسمح لها بذلك أو قرار لاحق من السلطة المختصة يعدّل الوضع، وهنا يصبح السؤال اللبناني الحقيقي: هل صدر قرار منح الإقامة بعد إلغاء أو تعديل قرار persona non grata، أم صدر رغم بقائه نافذاً؟ وما هو موقف وزير الخارجية اللبناني الحالي؟

في 20 آب 2026، قال وزير الخارجية يوسف رجي إن قرار اعتبار شيباني persona non grata لا يترك مجالاً للتفسير أو الاستنساب، وأن أي تجديد لتأشيرته لا أساس قانونياً له. كما نُقل عنه أن استمرار وجوده بعد انتهاء التأشيرة يتعارض مع القرار السيادي النهائي ولا يمكن إخضاعه لتسوية أوضاع تحت أي مسمى. وهذا الموقف الرسمي يجعل فرضية “إقامة عادية رغم بقاء قرار persona non grata” أكثر إشكالية في الحالة اللبنانية تحديداً. وكخلاصة، يمكن ان نصل الى نتيجة مفادها أنه لا ينشئ إعلان الشخص persona non grata بذاته وتلقائياً، حظراً دائماً على دخوله أو إقامته بصفته الخاصة في الدولة المستقبِلة؛ إذ إن المادة 9 من اتفاقية فيينا تنظم أساساً إنهاء أو منع صفته الدبلوماسية، لكن إذا اقترن الإعلان بقرار وطني نافذ يقضي بمغادرته الإقليم، فلا يجوز منحه إقامة عادية تتعارض مع ذلك القرار إلا إذا أُلغي القرار أو عُدّل من السلطة المختصة وفقاً للقانون الوطني. وبالتالي، بالنسبة إلى شيباني تحديداً إذا افترضنا أن لبنان أعلن رسمياً أنه persona non grata وطلب منه مغادرة الأراضي اللبنانية والقرار ما زال نافذاً ولم يُسحب أو يُعدّل، فإن منحه إقامة عادية جديدة لا يكون سليماً قانوناً لمجرد أن قانون الأجانب يسمح عادةً بمنح الإقامات. أما لو صدر قرار صريح برفع أو تعديل قرار الإبعاد أو المغادرة، وأصبح وجوده وجوداً عادياً لا دبلوماسياً، فليس في المادة 9 من اتفاقية فيينا ما يمنع، في حد ذاته، أن تسمح له الدولة بالإقامة.
(1) الرجاء مراجعة مقالات الكاتب ذات الصلة المنشورة في “نداء الوطن”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |