من يخلف اليونيفيل؟.. دول تشترط “ضمانات” لدخول الجنوب

دخل البحث عن قوة دولية بديلة لقوات “اليونيفيل” في جنوبي لبنان في مأزق مبكر، بعدما طلبت دول مرشحة للمشاركة، وفي مقدمتها إيطاليا، ضمانات أمنية وسياسية قبل إرسال جنودها أو تحويل قواتها الموجودة حالياً إلى جزء من الترتيبات الجديدة، وفق معلومات حصل عليها “إرم نيوز” من مصادر سياسية لبنانية.
وقالت المصادر المطلعة على طبيعة المشاورات الجارية حول هذا الملف، إن النقاشات لا تزال في مراحلها الأولى، لكن الدول التي تواصل معها لبنان، وبينها إيطاليا وألمانيا وسويسرا، أبدت موقفاً متقارباً، وهو أنها غير مستعدة للانتشار في بيئة تبقى مفتوحة على الضربات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه لا توجد فيها ضمانات كافية بشأن موقف حزب الله من القوات الجديدة وصلاحياتها، خاصةً إذا أُنيطت بها مهمة التحقق من تفكيك بنيته العسكرية.
وبحسب المصادر، تطالب الدول المعنية بفترة من الهدوء ووقف العمليات الإسرائيلية تتيح للقوة الجديدة بدء عملها بالتنسيق مع الجيش اللبناني، لكن إسرائيل ترفض حتى الآن تقديم ضمانات من هذا النوع، كما ترفض وقف عملياتها لفترة تمهيدية أو الانسحاب من إحدى المناطق التجريبية.
لتكون الخطة أمام مفارقة أن القوة المفترض أن تتحول إلى جهة ضامنة للاستقرار في الجنوب تبحث هي نفسها عمن يضمن أمنها.
روما في المقدمة
وتشير المعلومات إلى أن إيطاليا أصبحت الخيار اللبناني الأول، ليس فقط بسبب علاقاتها مع بيروت، وإنما نتيجة تحول روما خلال الأشهر الماضية إلى إحدى ساحات إدارة الملف اللبناني، بعد استضافتها جولتين من المفاوضات، وإجرائها اتصالات ثنائية مع الأطراف المعنية، بالتوازي مع اهتمامها بآلية التحقق والترتيبات التي ستلي انتهاء ولاية اليونيفيل.
وكانت مصادر لبنانية كشفت في وقت سابق أن إيطاليا وألمانيا وسويسرا وإندونيسيا ودولاً أخرى طُرحت للمشاركة في آلية للتحقق من نزع سلاح حزب الله، فيما بقيت أسئلة أساسية بلا إجابات، بينها حدود حركة المراقبين، وإمكان دخول القرى والممتلكات الخاصة، وطبيعة العلاقة مع الجيش اللبناني.
وبحسب المصادر، شكلت إمكانية مشاركة إيطاليا في عملية التحقق أحد الملفات الأساسية التي بحثها الرئيس جوزيف عون خلال زيارته روما.
ويمتلك الخيار الإيطالي أفضلية عملية، إذ لا تبدأ روما من الصفر. فالوجود العسكري الإيطالي في لبنان يمتد عبر ثلاث قنوات، وهي الوحدة الإيطالية العاملة ضمن اليونيفيل، والبعثة العسكرية الثنائية الإيطالية في لبنان (MIBIL)التي تدرب الجيش اللبناني، إضافة إلى اللجنة التقنية العسكرية من أجل لبنان (MTC4L) التي تقودها إيطاليا وتركز على التدريب والتجهيز وتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية.
وتؤكد وزارة الدفاع الإيطالية أن روما تقود (MTC4L) بالتنسيق مع الجيش اللبناني وشركاء دوليين؛ ما يمنحها بنية عسكرية ولوجستية قائمة يمكن البناء عليها سريعاً إذا حصل الاتفاق السياسي.
فيتو مزدوج
لكن المشكلة التي بدأت تتكشف لا تتعلق بعدد الجنود أو الدول المشاركة بقدر ما ترتبط بالمهمة التي سيُطلب منهم تنفيذها وقواعد الاشتباك التي ستحكم وجودهم. فإذا كانت القوة الجديدة مجرد مراقب لانتشار الجيش اللبناني، ستكون مهمتها مختلفة جذرياً عن قوة مكلفة بالتحقق من خلو مناطق محددة من أسلحة حزب الله ومخازنه وأنفاقه.
وتزداد المسألة تعقيداً إذا امتدت عملية التحقق إلى ممتلكات خاصة داخل القرى، وهي واحدة من النقاط التي برز حولها خلاف مبكر؛ إذ تريد إسرائيل آلية قادرة على إثبات تفكيك البنية العسكرية للحزب، وليس الاكتفاء بتقارير يقدمها الجانب اللبناني.
في المقابل، سيكون منح قوة أجنبية صلاحيات واسعة داخل البيئة الاجتماعية للحزب وصفة جاهزة للاحتكاك، خصوصاً في ظل عدم وجود موقف واضح من حزب الله تجاه القوة التي ستخلف اليونيفيل أو تجاه مشاركتها في عمليات التحقق.
وبذلك تواجه الخطة فيتو مزدوجاً غير معلن؛ فإسرائيل لا تريد قوة تقيد حرية عملياتها من دون ضمان تفكيك سلاح الحزب، فيما يصعب تصور قبول حزب الله بقوة تمتلك صلاحيات تتجاوز ما كان متاحاً لليونيفيل.
لماذا إيطاليا؟
وترى بيروت أن روما تمتلك ميزة أخرى، وهي عدم وجود اعتراض سياسي كبير عليها حتى الآن، بخلاف فرنسا التي تقول المصادر إن واشنطن وتل أبيب لا ترغبان في منحها دوراً رئيساً في ترتيبات المرحلة المقبلة.
كما يمنح الوجود الإيطالي المستمر في لبنان روما قدرة على الانتقال من مهمة إلى أخرى بسرعة أكبر من دولة تحتاج إلى إنشاء قوة جديدة ونقل معداتها وبناء شبكة اتصالات وعلاقات ميدانية من البداية.
لكن هذه الأفضلية لا تحل المعضلة الأساسية، كما يقول المصدر. فالقوات الإيطالية الموجودة حالياً تعمل ضمن أطر ومهمات محددة، بينما الانتقال إلى قوة تحقق في مناطق يحتفظ فيها حزب الله ببنية عسكرية، بالتزامن مع استمرار الضربات الإسرائيلية، يعني الدخول في مهمة أكثر خطورة سياسياً وعسكرياً. وهنا يتحول الحصول على الضمانات من مطلب أمني إلى شرط سياسي لولادة القوة الجديدة نفسها.
في تعليقه على هذه التعقيدات التي تواجه خطة نشر القوات الإيطالية، يرى الباحث السياسي أنس جودة أن المعضلة الأساسية لا تتعلق باختيار إيطاليا أو غيرها، بل بعدم وجود تصور سياسي متفق عليه لليوم التالي لانتهاء مهمة اليونيفيل.
ويقول جودة لـ”إرم نيوز” إن أي دولة ستفكر بالمشاركة ستطرح سؤالين قبل إرسال جنودها: ما حدود المهمة، ومن يضمن عدم تحول هؤلاء الجنود إلى طرف عالق بين إسرائيل وحزب الله؟
مشيرا إلى أن استمرار العمليات الإسرائيلية يجعل أي ضمان أمني هشاً، وفي المقابل فإن غياب موقف واضح ونهائي لحزب الله من طبيعة القوة وصلاحياتها يضيف خطراً آخر.
ويضيف أن إيطاليا تبدو الخيار الأكثر واقعية؛ لأنها موجودة عسكرياً، ولديها علاقة جيدة بالمؤسسة العسكرية اللبنانية ولا تُعامل بوصفها طرفاً استفزازياً، لكن حتى روما لن تنتقل إلى مهمة جديدة بلا قواعد واضحة. لذلك فإن الاتفاق على القوة البديلة سيكون في جوهره اتفاقاً سياسياً على شكل الجنوب بعد اليونيفيل، وليس مجرد عملية استبدال جنود بجنود.
وبين شروط إسرائيل وتحفظات حزب الله، يبدو أن لبنان لا يبحث فقط عن الدول التي ستشارك في القوة المقبلة، بل عن المعادلة التي ستسمح لهذه القوة بالبقاء على الأرض.
وإذا لم تحصل الدول المشاركة على ضمانات إسرائيلية، ولم تُحسم علاقتها بحزب الله وصلاحيات التحقق، قد تنتهي مهلة اليونيفيل قبل أن تولد القوة التي يفترض أن تخلفها، بما يترك جنوب لبنان أمام فراغ أمني في منطقة لا تزال الحرب فيها مؤجلة أكثر مما هي منتهية.
إرم نيوز



