أخبار محلية

“الوزراء الصّامتون” و”مجلس الخُرْس”

نداء الوطن – سامر زريق

أواخر الستينات، وفي زمن كانت فيه قيم الديمقراطية بصحة أفضل، أجرت مجلة “الأسبوع العربي”، بالاستناد لمحاضر جلسات مجلس النواب، تحقيقًا صحافيًا تناول ظاهرة مثيرة عنوانها “النواب الصامتون”، لتوصيف أولئك الذين تنقضي ولايتهم النيابية من دون أن ينطقوا بموقف أو يطرحوا سؤالا، أو يناقشوا تشريعًا، ويكتفون برفع الأيدي للتصويت. أحدث التحقيق ضجة سياسية وإعلامية، وأنتج رسومًا كاريكاتورية وتوصيفات لاذعة بينها “النواب الخرس” و”مجلس البكم”.

مناسبة التنقيب في الذاكرة التوثيقية هي أن هذه الظاهرة تكاد تطبع نهج وزراء الحكومة الحالية، ولا سيما في الاختبارات الدقيقة، وأحدثها الأزمة الناشئة بين السراي واليرزة. فمنذ انفجار الواقعة وما صاحبها من مناخ مشحون، وبعد رتقها نسبيًا باستقبال مهيب أعده الجيش للرئيس نواف سلام في صور، إلا أن الملاحظ أن كلا المحطتين خلتا من أي موقف سياسي صلب، لوزير أو وزراء، للدفاع عن الحكومة بما ينسجم مع مبدأ “التضامن الوزاري”، وليس الدفاع عن رئيسها أو التموضع إلى جانبه، وهذا غير مطلوب ذاتًا.
و”التضامن الوزاري” هو مبدأ دستوري وقانوني يضمن ظهور السلطة التنفيذية بصوت واحد ومتماسك أمام البرلمان والرأي العام. وبالنظر لطبيعة النظام السياسي، وفلسفة “الطائف” التي نقلت “عباءة السلطة” إلى طاولة مجلس الوزراء لإشراك ممثلي العائلات الروحية في لبنان في صناعة القرار بموازين وبمقادير، فإن السمة الغالبة للحكومات هي أن تكون ائتلافية. وهذا لا يعني طبعًا أن تكون حكومة برلمانية تنسخ توازنات المجلس النيابي، وتلك أول بدعة استطاع الرئيس سلام وأدها.
في الحكومات الائتلافية يعتبر التباين السياسي طبيعيًا، إنما ضمن ضوابط معينة. فالتباين شيء، و”التضامن الوزاري” شيء مختلف، والخيط الدقيق الفاصل بينهما يتجسد في قدرة الحكومة على الظهور كفريق متناغم عند الاختبار، لا كجزر منفصلة لكل منها اهتماماته وحساباته.

بيد أن الإشكالية الراهنة هي نتاج فوائض نفوذ من خارج الفقه الديموقراطي، جرى تثقيلها في “اتفاق الدوحة”، والذي استولد “بدعًا” سياسية، و”تطبيعًا” مع الانقسامات الوزارية، وظواهر “السوبر وزراء”، وإنتاج القرار عبر تفاهمات بين مقرات حزبية موازية للسراي وعلى حسابها، مع احتفاظ “حزب الله” بحق “الفيتو” وحده. ثم جاءت تجربة حسان دياب لتزيد من إضعاف وزن رئاسة الحكومة، بموازاة تحفيز الشهيات المفتوحة نحو عرشها.

وترجمة ذلك كله ظهر إبان الأزمة، حيث عم صمت وزاري ثقيل، وخصوصًا لدى الوزراء المحسوبين ضمن فريق السراي، فأمست الحكومة كأنها “حكومة موظفين” تضم ضباطًا وإداريين وخبراء يمارسون صيامًا سياسيًا مديدًا في لحظة لا تحتمل الصمت. ثمة من يعزو ذلك إلى هشاشة المشروعية التمثيلية وضعف الحضور السياسي لدى البعض، إلى جانب الأحلام التي تغزو عقول وأفئدة البعض القليل، وتعاني من تضخم بفعل فاعلين.

وإن أردنا الذهاب أبعد، فحتى النواب من خارج دائرة باسيل و”حزب الله”، لم يخرج منهم سوى النائب فيصل كرامي بموقف واضح من الهرطقة السياسية بلبوس قانوني مضلل على حساب “الطائف”. في خطاب ألقاه خلال مناسبة في الضنية، استغرب كرامي “صمت الوزراء في الدفاع عن حكومتهم وعن الدستور”، ورد على جبران باسيل من دون أن يسميه بالتذكير بأن “التضامن الوزاري جزء أساسي من النظام الذي أرساه الطائف”.

الشاهد من هذه الحادثة أنها تلقي بظلال هائلة من الشكوك حول قدرة هؤلاء الوزراء على تحقيق هدف الحكومة الأساسي بالعبور بالبلاد في هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة نحو ضفة الأمان.

فمعالجة معضلة سلاح “الحزب” وما تمثله من تحدّ لمنطق الدولة، تستلزم عملا جماعيًا منسقًا وليس “مجلس مراقبين”، وتضامنًا سياسيًا متينًا لا تنفصم عراه عند أول اختبار. وإذا كان هذا هو الحال من الخارج فكيف كان من الداخل، ولا سيما عند إقرار تفكيك السلاح، وخطة الجيش، وحظر الجناح العسكري لـ “الحزب”، و”بيروت منزوعة السلاح”؟

اليوم فيما المشروع الإيراني التوسعي ينازع مع مخلبه المسلط على قرار الدولة، ويتشكل فراغ نفوذ يبحث عمن يملأه، تلوح فرصة ينتظرها لبنان منذ أكثر من نصف قرن، تحتاج إلى وزراء متضامنين يرفعون صوت الدولة لا وزراء خُرْس، يرفعون أيديهم عند التصويت، وصوتهم عند التعيينات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |