منظّمة العمل الدولية تنهي 50 عاماً في بيروت

بعد نحو خمسين عاماً من التموضع في بيروت، قرّر مجلس إدارة منظّمة العمل الدولية نقل المكتب الإقليمي للدول العربية إلى الدوحة. سبب ذلك أزمة التمويل التي فجّرتها الولايات المتحدة الأميركية عندما قرّرت التوقف عن تمويل مجموعة من المنظّمات والمؤسسات الدولية من بينها منظمة العمل، ما فرض على هذه الأخيرة إعادة هيكلة وتقليصاً للنفقات. وبرزت قطر كوجهة قادرة على توفير مصادر تمويل ودعم بديلة.
مكتب منظّمة العمل الدولية الموجود في بيروت منذ عام 1976 لم يكن فرعاً محلياً، بل مركزاً إقليمياً يدير أعمال المنظّمة في 12 دولة عربية. ومع انتقاله إلى الدوحة، سيبقى في بيروت مكتب أصغر مخصّص لإدارة المشاريع والبرامج المرتبطة بلبنان حصراً. وبالتالي، ما ينتقل اليوم ليس مجرد موظفين وعنوان جديد، بل موقع إقليمي كانت بيروت تحتضنه منذ خمسة عقود. لكن هذه المرحلة انتهت. بحسب المعلومات، يأتي هذا القرار ضمن إعادة هيكلة واسعة تجريها منظّمة العمل الدولية تحت وطأة أزمة مالية غير مسبوقة مرتبطة بصورة أساسية بالتمويل الأميركي. فالولايات المتحدة، التي تمثّل مساهمتها نحو 22% من موازنة المنظّمة، توقفت عن الدفع وراكمت مستحقات غير مدفوعة بمئات ملايين الدولارات، ما وضع المنظمة أمام أزمة سيولة دفعتها إلى البحث عن خفض نفقاتها وإعادة النظر في توزيع موظفيها ومكاتبها حول العالم.
في 28 آب، كشفت صحيفة «El País» أن إدارة المنظمة أبلغت مجلس إدارتها بالحاجة إلى توفير نحو 22 مليون دولار، واقترحت إلغاء 120 وظيفة، بينها 73 وظيفة دائمة. وكانت المنظمة أعلنت، ضمن خطّة الإصلاح التي بدأها المدير العام في عام 2025، أنها تستهدف خفض مخصّصات الموازنة العادية تدريجياً بما يعادل 12.5% من موازنة 2026–2027، مع تقليص نحو 120 وظيفة على مراحل. ووفق المعطيات المتوافرة، لن تكون هذه سوى الدفعة الأولى، إذ يُنتظر أن تتبعها دفعات أخرى من الخفوضات إذا استمرت الأزمة المالية.
غير أنّ خيار الدوحة لم يأتِ من فراغ. بحسب المعلومات، كانت المنظّمة قد بدأت منذ فترة بمراجعة كلفة الإبقاء على مكتبها الإقليمي في بيروت، بالتوازي مع البحث عن بدائل أقل كلفة في ظل الأزمة المالية التي تواجهها. وخلال هذه المراجعة، جرت مقارنة مباشرة بين كلفة العمل في لبنان وكلفة الانتقال إلى قطر. وقد أظهرت الحسابات أنّ كلفة التشغيل في الدوحة ليست أقل بكثير من كلفة بيروت، ما يعني أن الوفر المالي الناتج من الانتقال ليس كبيراً بما يكفي، وحده، لتبرير القرار. لكنّ العامل الآخر الذي يلعب الدور الأبرز، هو أنّ المنظمة ستتلقّى دعماً قطرياً عند الانتقال، خصوصاً أن قطر تبدي اهتماماً كبيراً باستضافة المكتب الإقليمي للمنظمة على أراضيها وما يعنيه ذلك من قيمة مُضافة.
لكنّ هذا العامل، على منطقيّته، لا يلغي الأسئلة السياسية. وهي أسئلة طُرحت منذ أن بدأ البحث في نقل المكتب. ففي تشرين الثاني 2025، نقلت صحيفة «Financial Times» اعتراضات داخلية على الخطوة، مشيرة إلى أن موقفاً معارضاً للنقل حظي بتأييد نحو 80% من قرابة 70 موظفاً شملهم استطلاع في المكتب الإقليمي. وتركّزت المخاوف على تأثير الانتقال المحتمل على استقلالية المنظمة ومصداقيتها، وعلى هامش عمل الباحثين وقدرتهم على نشر تقارير تنتقد أوضاع العمل وسياسات دول الخليج أثناء إقامتهم في قطر. السؤال لا يعني أن ثمّة دليلاً على صفقة سياسية خلف الانتقال، ولا أن قطر اشترطت استضافة المكتب مقابل التمويل. لا معطيات تسمح بالقول بذلك. لكنه يجعل من الصعب أيضاً اختزال ما يحصل بعبارة «خفض النفقات» فقط، بل هو مؤشّر على وجود أجندة سياسية في الخفاء.
بالإضافة إلى ما سبق، فإنّ الإدارة لا تقدّم ما يحصل باعتباره مجرد حملة تقشّف مؤقتة. الوثائق الرسمية تتحدث عن منظمة «أكثر رشاقة ومرونة»، وعن إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة تنظيم الهيكل الإداري، والتركيز بصورة أكبر على الهدف الرئيسي الذي أنشئت المنظمة من أجله. وهو ما يستحضر الفكرة التي اشتهرت بها نعومي كلاين في كتابها «عقيدة الصدمة»، والتي تقوم على أنّ الأزمات لا تؤدي دائماً إلى إجراءات طارئة فقط، بل يمكن أن تصبح فرصة لتمرير تحولات بنيوية كان تنفيذها في الظروف العادية أكثر صعوبة.
كما أنّ الخطة المُعلنة لا تتوقف عند 120 وظيفة. فمنظمة العمل الدولية نفسها تقول إنه في حال حصول نقص يصل إلى 20% في المساهمات المُقرّرة خلال موازنة 2026–2027، قد تضطر إلى إلغاء ما يصل إلى 350 وظيفة إضافية اعتباراً من كانون الثاني 2027، فضلاً عن إجراءات تشمل تجميد التوظيف وخفض النفقات غير المرتبطة بالموظفين. بمعنى آخر، ما يجري ليس إقفال مكتب ونقل آخر وحسب، بل عملية إعادة هيكلة واسعة تطاول المال والمكاتب والوظائف داخل واحدة من أقدم وكالات الأمم المتحدة. وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: كيف ستدير منظمة أنشئت للدفاع عن حقوق العمال أزمةً قد تنتهي بصرف مئات من موظفيها؟ وكيف ستوازن بين ضرورة إنقاذ نفسها مالياً وبين المبادئ التي تطالب الدول وأصحاب العمل بتطبيقها؟
الخسارة بالنسبة إلى لبنان، تبدو كبيرة بعدما استضاف المكتب الإقليمي للمنظمة منذ عام 1976. اقتصار المكتب في بيروت على إدارة البرامج والمشاريع المرتبطة بلبنان، بينما سيصبح الثقل الإقليمي للمنظمة، بما يحمله من وظائف وعلاقات مع دول المنطقة والمانحين، في إحدى دول الخليج يُعدّ خسارة وازنة تزداد وطأتها في توقيتها، إذ يعاني لبنان من واقع اقتصادي واجتماعي شديد الصعوبة، وسوق عمل أنهكته سنوات الأزمة والحرب، مع ارتفاع البطالة وتراجع المداخيل واتساع الحاجة إلى الحماية الاجتماعية.
زينب بزي- الاخبار



