أخبار محلية

لبنان على شفير انفجارٍ إجتماعي: البطالة كارثة الكوارث

كتب جوزيف خليل في Pen Media:

في ظل الأزمات الاقتصادية المتراكمة التي يمرّ بها لبنان، باتت البطالة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الشباب والعائلات، مع تراجع فرص العمل، وارتفاع كلفة المعيشة، وتزايد الهجرة.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال حول واقع سوق العمل اللبناني، وما إذا كان الاقتصاد قادراً على خلق فرص عمل كافية في المرحلة المقبلة.

ويقدّر الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، في حديث خاص لـ Pen Media، أنّ نسبة البطالة في لبنان بلغت 30% عام 2025، قبل أن ترتفع إلى 35% هذا العام، نتيجة تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان.

سوق العمل أمام واقع جديد.. والأرقام ليست سوى جزء من الصورة

لكن ماذا وراء هذه الأرقام؟ وما الذي يدفع البطالة إلى مستويات مرتفعة؟

سألت Pen Media الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة عن أسباب هذا الارتفاع، فربطها أولاً بـ”انكماش النشاط الاقتصادي وتدمير رأس المال”. فمع تراجع النشاط نتيجة الصراع مع إسرائيل، إلى جانب الضغوط الناجمة عن التوتر الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وإيران، “تعرّضت محركات النمو الاقتصادي لضربة كبيرة، وتراجع الاستثمار، وازدادت حالات الإفلاس”.

ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ يشير عجاقة إلى انكماش عمل المؤسسات في القطاعات الإنتاجية والخدمية، من العقارات والبناء إلى التجارة والمطاعم، ما انعكس تسريحاً للعمال وصرف عدد كبير من العاملين.

أما العامل الثاني، بحسب الخبير الاقتصادي، فيرتبط بأزمة القطاع المصرفي وغياب القروض. “فبما أن أموال المودعين محجوزة، ومن ضمنها أموال المؤسسات، أدى ذلك إلى حرمانها من جزء أساسي من رأس مالها، وبالتالي لم تعد تتمتع بالقدرة التشغيلية نفسها، كما لم تعد قادرة على الاقتراض، وهذا أدّى إلى تقييد قدرتها على التوسع”.

وفي المشهد نفسه، برز اقتصاد النقد أو ما يُعرف بـ”اقتصاد الكاش”، الذي يرى أنّه “دمّر عشرات الآلاف من الوظائف الرسمية واستبدل بها عمالة هشة ذات إنتاجية منخفضة، وساعات عمل أطول، وأجور منخفضة، وحقوق محدودة لهذه اليد العاملة”.

ويبقى عدم الاستقرار الجيوسياسي والأمني عاملاً رابعاً يضغط على سوق العمل ويزيد هشاشته.

البطالة: نقص في الوظائف أم تدنٍّ في الأجور؟

المشكلة، وفق عجاقة، لا تختصر بعدد الوظائف المتاحة فقط. فلبنان يعاني “نقصاً في الوظائف، وهناك عجز هيكلي، إذ إن الاقتصاد غير قادر على خلق فرص عمل جديدة تتمكن من استيعاب الداخلين إلى سوق العمل”.

وفي موازاة ذلك، تتفاقم أزمة الأجور. فتآكل القدرة الشرائية “يشكل خطراً كبيراً؛ فالشخص لم يعد قادراً على تأمين احتياجاته الأساسية من غذاء وشراب ومستلزمات معيشية”.

حتى الدولرة لم تقدّم حلاً كاملاً. فقد أربكت سوق العمل، لأنّ “حتى من يتقاضون أجوراً بالدولار باتوا في بعض الحالات غير قادرين على تغطية تكاليف معيشتهم، وبالتالي أصبح الفقر يطال حتى بعض العاملين”.

المعادلة إذاً مزدوجة: فرص عمل مستدامة أقل، وقيمة حقيقية للأجور تتراجع. لكن من الناحية الاقتصادية البحتة، يرى الخبير الاقتصادي أنّ “تراجع الأجور الحقيقية هو السبب المباشر والأساسي في تدمير الوظائف، وليس فقط غياب الوظائف”.

ويعود إلى عام 2020، حين بدأت الأزمة الاقتصادية بالانفجار، موضحاً أنّ الأجور انهارت بشكل كبير مع انهيار الليرة، فيما تراجعت القدرة الشرائية بنحو 90 في المئة. والنتيجة كانت انخفاضاً حاداً في الطلب، وهو ما دفع عدداً كبيراً من المؤسسات إلى الإغلاق.

ولا تقف الخسائر عند حدود الوظائف المفقودة. فلبنان، نتيجة تراجع الأجور الحقيقية، “بات يصدّر العمالة الماهرة، فيما يُعرف بـ”هجرة الأدمغة” (Brain Drain)، ويستورد في المقابل عمالة هشة ومنخفضة المهارات”.

وهنا تكمن الخطورة الأعمق من مجرد ارتفاع نسبة البطالة: “تغيير بنيوي في التركيبة الديموغرافية للقوى العاملة في لبنان”.

ما السياسات التي يحتاجها لبنان لخفض البطالة؟

إذا كان الاقتصاد هو أصل المشكلة، فإن تحريكه يصبح المدخل الأساسي لأي معالجة. لكن الطريق، بحسب الخبير الاقتصادي، يبدأ من معالجة الخلل في النظام المالي والنقدي.

ويضع جاسم عجاقة “الاقتصاد النقدي” في صدارة التحديات، لافتاً إلى أنّ بعض الشركات تعلّمت كيف تستمر وتعمل من دون قروض من القطاع المصرفي، فيما عجزت شركات أخرى عن التكيف مع هذا الواقع.

ومن هنا، فإن إعادة هيكلة القطاع المصرفي وحدها “لن تكون كافية”. المطلوب “عملية إنقاذ مالي ونقدي شاملة”، معتبراً أنّ هذه النقطة أساسية لنجاح أي معالجة.

لكن الإصلاح المالي ليس وحده على الطاولة. فلبنان يحتاج أيضاً إلى سياسات أخرى تراعي مسألة الحماية التجارية، وربما وفق مقاربات تشبه السياسات الحمائية التي اعتمدتها إدارة ترامب.

وفي نهاية المطاف، تبقى القاعدة الاقتصادية واضحة: معالجة البطالة تمر عادةً عبر تحريك الاقتصاد وتنميته في اتجاهات محددة.

غير أنّ الحالة اللبنانية أكثر تعقيداً، إذ يرى الخبير الاقتصادي أنّ “هناك سبباً رئيسياً إضافياً يتمثل في المحاصصة والاقتصاد الريعي”.

ويبرز التوظيف في القطاع العام مثالاً واضحاً على هذه المعادلة، فهو “يمتص جزءاً من البطالة، وفي الوقت نفسه يتحول إلى وسيلة لتوزيع المنافع السياسية”.

وبالتالي، فإن أي معالجة جدية للبطالة لا يمكن أن تكتفي بخلق وظائف جديدة، بل تحتاج أيضاً إلى تفكيك المنظومة التي أنتجت اقتصاداً هشاً وسوق عمل غير مستقر.

وكما يخلص الخبير الاقتصادي، “إذا لم نتمكن من ذلك، فمن المؤكد أن المعالجة لن تنجح”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |