“وهم بصري” داخل البيئة الشيعية… هل تكبّر إسرائيل أصوات معارضي حزب الله؟

في ظل الدمار الواسع الذي لحق بجنوب لبنان، تتصاعد أصوات شيعية تنتقد حزب الله علناً، لا انطلاقاً من سجالات عقائدية وسياسية فحسب، بل من أسئلة يومية ومباشرة عن الحرب وكلفتها: من اتخذ القرار؟ ومن سيعيد السكان إلى قراهم؟ ومن سيتحمل إعادة بناء المنازل؟
وبحسب مقال للباحثة في شؤون لبنان وحزب الله، الدكتورة نوعا ريفن، في صحيفة “إسرائيل هيوم”، فإن ما يظهر اليوم عبر وسائل التواصل والإعلام الإسرائيلي قد يوحي بأن تحولاً واسعاً يجري داخل الطائفة الشيعية، مع سكان من الجنوب غاضبين من حجم الدمار، وناشطين يطالبون الدولة بتحمل مسؤولية أمنهم، ورجال دين يعترضون على التبعية لإيران.
لكن ريفن تعتبر أن هذه الأصوات ليست جديدة. فالمجتمع الشيعي لم يكن يوماً كتلة واحدة، ومنذ مطلع التسعينيات برز رجال دين ومثقفون وصحافيون وسياسيون وعائلات تقليدية وشخصيات عشائرية عارضت حزب الله لأسباب متعددة، بينها التبعية الدينية والسياسية لإيران، والسلاح خارج إطار الدولة، والصراع على تمثيل الطائفة ومراكز النفوذ فيها.
وتشير إلى أن الأمين العام الأول لحزب الله صبحي الطفيلي أصبح لاحقاً من أبرز منتقديه، فيما طرح محمد مهدي شمس الدين تصوراً يركز على الدولة اللبنانية واندماج الشيعة فيها، مقابل مفهوم ولاية الفقيه. كما دفعت شخصيات مثل هاني فحص وعلي الأمين ولقمان سليم باتجاه خطاب المواطنة والحياة المشتركة، وانتقدت هيمنة الحزب السياسية والاجتماعية من داخل البيئة الشيعية.
وترى الكاتبة أن احتجاجات تشرين الأول 2019 لم تنشئ هذا الاعتراض، لكنها جعلته أكثر ظهوراً، بعدما رُفعت للمرة الأولى شعارات ضد حزب الله وحركة أمل في مناطق شيعية، وخرج النقد من الدوائر الفكرية والسياسية الضيقة.
إلا أن الجديد، بحسب ريفن، هو انتقال الانتقاد من المستوى الإيديولوجي إلى المستوى الشخصي والمعيشي. فبدلاً من التركيز فقط على علاقة لبنان بإيران أو شرعية السلاح، باتت الأسئلة تدور حول مسؤولية الحزب عن قرار الحرب، ومصير القرى المدمرة، وحقه في اتخاذ قرارات باسم الطائفة بأكملها.
لكنها تحذر في المقابل من “وهم بصري”، إذ إن إسرائيل نظرت طويلاً إلى الشيعة في لبنان عبر عدسة حزب الله وحده، بينما تبحث اليوم بصورة نشطة عن معارضيه. كما أتاحت شبكات التواصل الوصول السريع إلى تسجيلات ومنشورات لأهالٍ وناشطين شيعة لم تكن تصل سابقاً إلى الجمهور الإسرائيلي.
لذلك، لا يشكل تعدد الأصوات المنتقدة دليلاً كافياً بحد ذاته على اتساع المعارضة، إذ قد يكون ما ازداد هو القدرة على رؤيتها. ويبقى السؤال، وفق الكاتبة، ما إذا كانت كلفة الحرب التي تدفعها البيئة الشيعية قادرة على تحويل نقد متفرق قائم منذ عقود إلى قوة اجتماعية وسياسية فعلية تنافس نفوذ حزب الله.




