من يرمش أولاً؟ إيران وحزب الله في سباق مع الوقت

تخوض إيران وحزب الله حربَي استنزاف متوازيتين تحت سقف المواجهة الشاملة، في محاولة لإظهار القوة وتجنّب التراجع، فيما تضيق الخيارات المتاحة أمامهما تحت وطأة الأزمة الاقتصادية في طهران والضغوط المتصاعدة على الحزب داخل لبنان.
وبحسب تحليل للعقيد المتقاعد أور هوروفيتس في صحيفة “إسرائيل هيوم”، تفصل مئات الكيلومترات بين إيران ولبنان، إلا أن المشهد في الساحتين يبدو متشابهاً. فبعد حروب مكثفة وغير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، تتحرك الجبهتان حالياً على نار هادئة، في منطقة تقع تحت عتبة الحرب وفوق مستوى وقف إطلاق النار، بانتظار معرفة الطرف الذي سيرمش أولاً.
في إيران، تتأرجح السياسة الأميركية بين ممارسة أقصى ضغط اقتصادي ومواصلة المواجهة العسكرية المحدودة في مضيق هرمز. ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة لم تنجح حتى الآن، وربما لن تنجح، في إخضاع طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات، وسط تراجع صبر واشنطن واقتراب انتخابات التجديد النصفي وانخفاض شعبية الرئيس دونالد ترامب.
وفي المقابل، لا تبدو الإدارة الأميركية راغبة في توسيع المواجهة وتحويلها إلى حرب واسعة قد تزيد اضطراب الاقتصاد العالمي. لكن هذه المعادلة لا تمنح إيران موقعاً مريحاً، إذ يواجه النظام، بحسب التحليل، أخطر أزمة اقتصادية في تاريخه، بالتزامن مع انقسامات داخلية وتراجع شعبيته.
ويشير الكاتب إلى أن القلق ظهر في تصريحات المسؤولين الإيرانيين وخطواتهم، ولا سيما بعدما أنشأت وزارة الاقتصاد الإيرانية في 6 أيلول “غرفة قيادة للحرب الاقتصادية”.
كما تحدثت تقارير عن احتجاجات لمتقاعدين ومعلمين في طهران ومدن أخرى، ردد خلالها المحتجون أن “الراتب ينفد خلال أسبوع”. ورغم محاولات طهران إظهار الثبات والثقة، فإنها تدرك أن معركتها الفعلية لا تقتصر على مضيق هرمز، بل تتعلق “بالإنتاج ومصادر رزق المواطنين”، وفق ما قاله رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قبل أيام.
وبحسب التحليل، لا تعرف إيران المدة التي تستطيع خلالها الصمود، بعدما وجدت نفسها في وضع غير مسبوق. ولذلك تحاول السير في مسارين متوازيين: الرد بقوة على أي استخدام أميركي للقوة العسكرية، والعمل في الوقت نفسه على معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
وفي موازاة ذلك، يرى الكاتب أن معادلة واضحة بدأت تتبلور، تقوم على امتناع إيران عن إطلاق النار نحو إسرائيل، لإدراكها كلفة الرد، ولأن استهداف الحلقة الإقليمية الأضعف، أي الاقتصاد العالمي وحلفاء الولايات المتحدة العرب وفي مقدمهم الأردن، يبدو أكثر ملاءمة لها. ويضيف أن هذا “الرقص الغريب” قد يستمر مدة غير معروفة.
أما في لبنان، فتختلف الظروف لكن النتيجة تبدو متشابهة. إذ يعتبر الكاتب أن حزب الله يواجه هجوماً غير مسبوق على أصل وجوده داخل البلاد، من دون امتلاك الأدوات التي تمكّنه من الخروج من هذا المأزق.
ويصف إعلان الجيش الإسرائيلي فرض “سيطرة عملياتية” على مرتفعات علي الطاهر بأنه إهانة علنية للحزب، بعدما كان قد تعهد بالرد في حال حصول تطور من هذا النوع، ولوّح باحتمال تدخل إيراني لم يحدث.
وفي ظل هذه الظروف، يلجأ الحزب، وفق المقال، إلى إطلاق طائرات مسيّرة نحو قوات الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة يعدّها الكاتب خرقاً واضحاً لوقف إطلاق النار، لكنها تبقى محدودة بما يسمح للحزب، من وجهة نظره، بمحاولة منع إسرائيل من توسيع عملياتها العسكرية في لبنان.
ويعتبر التحليل أن حزب الله يخوض بدوره حرب استنزاف تتيح له إظهار عدم الوقوف مكتوف اليدين أمام ما تعرض له، مع تجنّب توسيع المواجهة بصورة قد تعمّق المأزق الذي يواجهه داخل لبنان.
لكن نجاح هذه المقاربة يبقى محدوداً، في ظل اتساع رقعة الانتقادات الموجهة إلى الحزب. وينقل الكاتب عن صحيفة “النهار” قولها إن حزب الله كان يعلم أن مرتفعات علي الطاهر ستسقط، لكنه رفض تسليمها إلى الجيش اللبناني، وبالتالي “فضّل تسليمها إلى إسرائيل”.
كما يشير إلى أن مقالاً آخر في صحيفة “نداء الوطن” تساءل عن قدرة حزب الله على حماية اللبنانيين، في وقت أخفق فيه في الدفاع عن أحد أهم مجمعاته العسكرية.
وينقل أيضاً عن موقع “جنوبية”، المحسوب على المعارضة الشيعية لحزب الله، حديثه عن تصاعد الانتقادات داخل البيئة الشيعية بشأن الدماء التي قدمتها الطائفة من أجل الفلسطينيين، وغياب التعويضات الاقتصادية، واتساع النزوح، فضلاً عن الاعتراض على المصالح الإيرانية التي يُقال إنها تتحكم بصورة مفرطة في قرارات الحزب.
ويرى الكاتب أن حزب الله يحاول إظهار الثبات، لكن قدرته على الاستمرار في ذلك ليست مضمونة. فإيران لا تستطيع قبول الشروط الأميركية من دون أن تبدو مستسلمة، لكنها لا تستطيع أيضاً تحمّل حرب شاملة. وفي المقابل، لا يستطيع حزب الله تسليم سلاحه من دون خسارة مصدر قوته، كما لا يستطيع استئناف الحرب من دون إلحاق مزيد من الدمار بنفسه وبقاعدته الشعبية.
وهكذا يتحول عامل الوقت إلى ضغط متزايد على الطرفين، فيما ينقلب الاستنزاف، الذي شكّل سابقاً أداة استراتيجية للمحور الإيراني، إلى نقطة ضعف تهدده.
ويخلص الكاتب إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تمتلكان اليد الأقوى في “لعبة البوكر” هذه، إلا أن التحدي يكمن في حسن استخدام هذا التفوق، في ظل واقع سياسي معقد واقتراب الانتخابات في إسرائيل وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة.
lebanon debate




