مدّعي عام التمييز: بنود مشفّرة لقانون العفو تحتاج “منّجما مغربيا” لفك طلاسمها!

بعد انتظار دام 30 عاماً على صدور آخر قانون عفو، صدر القانون الجديد لينمّ عن خفة في الصياغة القانونية والتشريعية لدى المشترع، إذ تخللته بنود «مشفّرة» تحتاج إلى فك طلاسم لمعرفة كيفية تطبيقها، بفعل ما تضمّنته من أحكام متضاربة ومتداخلة، في وقت بدا واضحاً أنّ التوافق السياسي على إقراره كان أقوى من التدقيق في فداحة بعض المغالطات القانونية التي اجتاحت نصوصه. لكن بغضّ النظر عن شوائبه، حقق القانون الجديد وفاقاً وطنياً واضحاً، ومن أبرز إيجابياته، معالجة أزمة اكتظاظ السجون المزمنة، ومن شأنه أن يرفع المظلومية عن بعض المحكومين، لاسيما بسبب تبدُّل الأوضاع السياسية في المنطقة.
أمام هذه الإيجابيات التي تشكّل الإطار العام والغلاف العام لقانون العفو، وهذا أمر مطلوب حققه القانون الجديد، إلّا أنّ الغوص في بنوده ونصوصه يثير ملاحظات عدة، كون هناك بعض البنود التي جرى حشرها حشواً في القانون، وأُسقطت إسقاطا في غير مسارها، هذا فضلاً عمّا اعتبره القانون من مصطلحات ليس لها تعريفات قانونية واضحة في قانون العقوبات، وأخرى قد يتمّ تأويلها بصورة متناقضة مع بعضها البعض. فيبدو أنّ بعضاً من هذه البنود قد «هُرّب في الليل»، حتى أنّ عدداً من النواب، على رغم من تصويتهم على القانون، يتفاجأون عندما يتمّ سؤالهم عن بعض البنود الواردة فيه وأسبابها وغاياتها وكيفية تفسيرها، وكأنّهم لم يسبق لهم أن شاركوا في قراءتها أو إعدادها أو مناقشتها أو التصويت عليها.
في هذا السياق كشف مدّعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج لـ«الجمهورية»، أنّه ومن الناحية العملية، سيعرض رؤيته على مجلس القضاء الأعلى، وذلك لدراسة القانون من قبل المرجع المذكور. كما أنّه بصدد عقد اجتماع نهار الجمعة المقبل مع قضاة النيابات العامة، لتبيان آلية عملانية للتطبيق.
وفي حديث مفصَّل وتوضيحي للقانون، قال الحاج لـ«الجمهورية»: «اليوم ومع توقيع القانون وطلب نشره من قِبل رئيس الجمهورية، أصبح لزوماً توضيح آليات تنفيذه، وذلك تفادياً للوقوع في تناقضات في التطبيق من قِبل المراجع القضائية المختصة، لاسيما من قِبل النيابات العامة أو قضاء التحقيق أو قضاء الحكم. وإزاء هذا الواقع، أضحت الحاجة ملحّة وبالسرعة القصوى لتتولّى المراجع القضائية المختصة، وتحديداً مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة التمييزية، دراسة بنود هذا القانون وإزالة ما يشوبه من غموض في التطبيق أو تباين في النصوص، منعاً للاجتهاد والتأويل غير النافعَين، خصوصاً أنّ هناك مصطلحات وبنوداً غامضة، والأمثلة على تلك كثيرة، كمثال على ذلك عبارة «الفساد المالي» الذي يمكن أن يفسّر بالمفهوم العام الواسع، والتي تشمل أية حالة يستفيد فيها الموظف من منفعة مالية أو غير مالية مقابل قيامه بعمل مشروع أو غير مشروع مرتبط بوظيفته؛ في حين أنّه يمكن أن تفسّر أيضاً الفساد المالي بتعاطيه منفعة مادية عينية مقابل خدمة يؤدّيها لصاحب العلاقة!».
ويضيف: «كذلك مثلاً، نجد أنّ المشرِّع استثنى القتل العمد والقصد، من دون أن يذكر مصير جرائم محاولات القتل أو حالة القتل من دون قصد، القتل بعمل مقصود أي جريمة المادة 550 عقوبات، وهي جريمة جنائية بسبب تحقق جريمة القتل؟! فهل إنّ هذه الجرائم أصبحت مشمولة حكماً بالعفو؟ كذلك نجد أنّ هناك بعض المصطلحات الغامضة، مثل جنايات التكرار، في حين أنّه لا يوجد في قانون العقوبات مصطلح بهذا الخصوص!.
ويعود ويذكّر المشترع أيضاً في هذا السياق «سواء صدرت أحكام بها أو لم تصدر»، في حين أنّه من الناحية القانونية لا يمكن الحديث عن حالة التكرار قبل صدور حكم مبرم!
فهل إنّ المقصود بذلك أكثر من حكمَين أو أكثر من ملاحقتَين في آنٍ معاً؟
واضاف الحاج: «كذلك نجد أنّ بعض الجرائم مشمولة صراحة بالعفو، كجريمة السرقة. في حين أنّ البند العاشر يستثني من منحة العفو الجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ومن ضمن تلك الجرائم جريمة السرقة!
أيضاً نجد أنّ المشرّع، في البند الثامن، استثنى جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني والأجنبي، بالتالي فإنّ مصطلح التزوير بسياقه الوارد في البند الثامن قد يثير التباساً حول ماهيّته والمقصود منه، لأنّه في العملة يُستخدَم مصطلح التزييف وليس التزوير! وغيرها من العبارات والنصوص التي يعتريها الغموض وإلابهام.
كذلك أيضاً ما استخدمه المشترع من الجرائم المتعلقة بأموال المودعين! فكان الحري عليه أن يحدِّد النصوص القانونية التي تدخل ضمن هذا المفهوم، لا سيما أنّ قوانين العقوبات وقانون النقد والتسليف والقوانين ذات الصلة بالجرائم المالية، خالية من أية فقرة أو نبذة أو فصل يتعلق بما يُسمّى اصطلاحاً بجرائم أموال المودعين!
وأضاف الحاج: «كما أنّ القانون عندما انتقل إلى معالجة موضوع تخفيض العقوبات، على رغم من أنّ هذا الموضوع يخرج عن مفهوم العفو، لم يحدِّد الآلية القانونية لتطبيق هذا التخفيض، والجهة التي ستحتسب مدة التوقيف السجنية ومصير لجنة تخفيض العقوبات! فهل إنّ هذا التخفيض سيخضع للآلية المطبّقة أم سيمرّ عبر لجنة تخفيض العقوبات؟ أم أنّ النيابات العامة هي التي ستتولّى البَت بطلبات التخفيض وتحديد المدة السجنية المخفّضة، على أن يعود لكل قلم عدلي تابع لكل مركز توقيف، احتسابها؟ بالإضافة إلى خلو القانون من آلية عملانية لكيفية تقديم طلبات التخفيض، فهل إنّ الطلبات ستحصل تلقائياً من قِبل المحكومين أم تثار عفواً من قبل النيابات العامة؟!».
وإزاء هذا الواقع تكمن الصعوبة في «الدقائق التفصيلية» لهذا القانون، بحسب تعبير القاضي الحاج، الذي هو قانون مختلط ما بين قانون عفو عام وقانون تخفيض عقوبات، مع ما يعتريهما من مصطلحات مبهمة أو عامة وغير محدَّدة وواضحة. بالتالي فإنّ بعض بنود هذا القانون هي بنود «مشفّرة» تحتاج إلى منجّم مغربي لفك «طلاسم تشفيرها»، من أجل حسن التطبيق وتوحيد التوجّه القانوني في التطبيق».
وكشف الحاج، أنّه وانطلاقاً ممّا ذكر «نجد أنّ الحاجة ماسّة لتدخّل النيابة العامة التمييزية لتوحيد المسار التطبيقي لهذا القانون من خلال النيابات العامة الاستئنافية المختصة، بالإضافة إلى العسكرية والمالية، مع وجوب دخول مجلس القضاء، بغية توحيد الرؤيا لتطبيقها من قِبل سائر المحاكم والمراجع القضائية».
مرلين وهبة – الجمهورية




