التضخم يأكل الدولار: الـ100 أقل من 75

كتب عماد الشدياق في Pen Media:
ذهب سامي إلى السوبرماركت حاملاً لائحة الحاجيات المنزليّة التي اعتاد شراءها كل شهر: مواد غذائيّة، منظفات، مستلزمات شخصيّة وبعض الاحتياجات الصغيرة. لكنّه لاحظ أنّ الأكياس التي يعود بها كل شهر إلى المنزل تتناقص، فيما قيمة الفاتورة ترتفع في كل مرة.
اعتقد أولاً، أنّ زوجته تضيف أصنافاً جديدة، لكنّه تيقن من دقة حدثه حينما وجد في جيب سروال لم يرتده منذ 5 سنوات، فاتورة مؤرخة في تموز 2021، مرفقة بلائحة حاجيات متطابقة، وقارنها بفاتورته الحالية، فاكتشف أنّ اللائحة نفسها تقريباً كانت تكلفه يومها 100 دولار.
بحسب مؤشر الأسعار في الولايات المتحدّة، فقد ارتفع المؤشر من 273.003 نقاط في تموز 2021 إلى 333.918 نقطة في تموز 2026. وبذلك أصبحت السلّة التي كان سعرها 100 دولار قبل 5 سنوات، تكلف المواطن الاميركي نحو 122 دولاراً اليوم تقريباً. لكن المقارنة الأوسع تكشف خسارة أكبر.
ففي تموز 2018 كان المؤشر عند 252.006 نقطة. وهذا يعني أنّ سلة بقيمة 100 دولار آنذاك باتت تكلف نحو 132.50 دولاراً اليوم…هنا يقع كثيرون في خطأ حسابي: ارتفاع الأسعار بنسبة 32.5% لا يعني أنّ الدولار خسر النسبة نفسها من قوته. إذ أنّ الحساب الصحيح هو في مقارنة قيمة الدولار القديمة بقيمة الأسعار الحالية. والنتيجة أنّ كل 100 دولار اليوم، تشتري ما كانت تشتريه بـ75.5 دولاراً عام 2018. أي أنّ الدولار قد خسر نحو 25% من قدرته الشرائية خلال 8 سنوات.
بصورة أكثر حسية، إذا كان سامي يعود بأربعة أكياس ممتلئة مقابل 100 دولار، فإنّ المبلغ نفسه يملأ اليوم ثلاثة أكياس تقريباً. وإذا كان راتبه ألف دولار ولم يرتفع منذ 2018، فقوته الشرائيّة الحالية تعادل نحو 755 دولاراً آنذاك. ومن احتفظ بـ100 ألف دولار نقداً، من دون فوائد أو استثمار، يكون قد خسر قدرة شرائية تناهز 24,500 دولار، مع أنّ الرقم في حسابه لم يتغير.
أمّا في المشتريات اليوميّة، فتظهر الخسارة مباشرة في الطعام والوقود والإيجار والطبابة والتعليم وتكاليف النقل…
المشكلة الأكبر، هي أنّ تراجع التضخم لا يعيد الأسعار إلى الوراء. فقد بلغ التضخم الأميركي 9.1% في حزيران 2022، ثمّ انخفض إلى 3.4% في تموز 2026. لكن انخفاض هذا المعدل يعني أنّ الأسعار ترتفع بسرعة أبطأ، إلاّ أنها لن تعود إلى مستوياتها السابقة.
بعبارات آخر أشد وضوحاً، إذا ارتفع سعر سلعة من 100 إلى 120 دولاراً، ثم تباطأ التضخم، قد يصبح سعرها 123 دولاراً بدلاً من 130، لكنّه بالتأكيد لن يعود تلقائياً إلى 100. وقد جاءت هذه الموجة من التضخم نتيجة اضطراب سلاسل التوريد خلال جائحة كورونا، وارتفاع الطلب والسيولة، ثم صدمات الغذاء والطاقة والنقل… وهكذا تراكمت الزيادات السنوية فوق بعضها، فتحولت إلى خسارة دائمة في القوة الشرائية.
ولا تتوقف المسألة عند الأميركيين. فالدولار يشكل 57.13% من احتياطات النقد الأجنبي العالمية، ويؤدي دوراً أساسياً في تسعير التجارة والسلع والطاقة. لذلك يصل أثر تآكله إلى كل من يدخر أو يتقاضى راتبه. لكن الخطير في هذا الأمر، أنّ نسبة الـ25% لا تنطبق حرفياً في كل بلد، حصوصاً إذا تداخل معها أسعار الصرف والتضخم المحلي.
في لبنان مثلاً، حمى الدولار حامله من انهيار الليرة، لكنّه لم يحمِه من ارتفاع أسعار السلع والخدمات والمحروقات بالدولار. صحيح أنّ المواطن اللبناني حافظ على قيمة مدخراته مقارنة بسعر صرف الليرة، لكن القدرة الشرائية لدولاراته لم تكن ثابتة على مر سنوات الأزمة.
بالمحصلة، يمكن القول إنّ الدولار لا ينهار بالصورة الصاخبة التي تنهار بها العملات الضعيفة، وإنما يتآكل ببطء وصمت. يا لبناني، إن فتحت محفظتك ووجدت فيها 100 دولار، فاعلم أنّها تساوي أقل من 75 دولاراً.




