أخبار محلية

تطويب الحويك من مسقط رأسه… والراعي: لا نيأس سنؤمن ونصلي ونعمل

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي قداس الشكر على تطويب البطريرك الياس الحويك، بدعوة من راعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله ورعية حلتا، مسقط رأس الحويك.

وأقيم القداس في باحة كنيسة مار يوسف في حلتا، وعاون البطريرك الراعي في الذبيحة الإلهية المطران خيرالله ونائبه المونسنيور بيار طانيوس وكاهن رعية حلتا الخوري زياد إسحق، بمشاركة متروبوليت طرابلس وسائر الشمال للروم الملكيين الكاثوليك المطران إدوار ضاهر، وفي حضور رؤساء أديار وآباء وكهنة الأبرشية.

وحضر القداس وزير الدفاع ميشال منسى، والنائبان جبران باسيل وغياث يزبك، والنائبان السابقان أنطوان زهرا وسامر سعادة، وقائمقام البترون روجيه طوبيا، والمشيرة في جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات الأخت يارا متى ممثلة الرئيسة العامة الأم ماري أنطوانيت سعادة، ورئيسة دير العائلة المقدسة-عبرين الأخت فيليكس زهرا وعدد من الراهبات، والشيخ رضا أحمد، ورئيس رابطة مخاتير منطقة البترون جاك يعقوب، ومأمورة نفوس البترون مارلو كفوري، ومختار حلتا فارس منسى، إلى جانب فاعليات سياسية واجتماعية وحزبية، ورؤساء بلديات ومخاتير، ورؤساء جمعيات ومؤسسات كنسية وأخويات وحركات رسولية، وأنسباء الحويك وأبناء بلدته حلتا ومنطقة البترون وحشد من المؤمنين.

وخدمت القداس جوقة من العازفين والمرنمين بقيادة الخوري شربل الحلو، فيما خدم المذبح الطلاب الإكليريكيون من أبرشية البترون المارونية إلى جانب علمانيين من الأبرشية.

وفي بداية القداس، ألقى المسؤول الليتورجي الخوري إيلي سعادة كلمة تقديم وترحيب بالحضور، وشكر لشبيبة حلتا حسن الاستقبال. ثم كانت كلمة لراعي الأبرشية المطران خيرالله، رحب فيها بالبطريرك الراعي في أبرشية البترون «تلبيةً لدعوتنا ودعوة رعية حلتا لترؤس القداس شكرًا لله على نعمة تطويب البطريرك الحويك، ابن حلتا وابن أبرشية البترون التي تحتضن جثمانه الطاهر في الدير الأم لجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات في عبرين».

وقال خيرالله متوجهًا إلى البطريرك الراعي: «إن حضوركم بيننا اليوم ليس مجرد زيارة، بل هو بركة تحل على رعية حلتا وعلى أبرشية البترون، أرض القداسة والقديسين التي أحبت الكنيسة وحفظت الإيمان، وقدمت من أبنائها رجالًا ونساءً جعلوا من حياتهم رسالة في خدمة الله والكنيسة والوطن، ومنهم البطريرك الحويك».

وأضاف: «وجودكم معنا يزيد هذا الاحتفال فرحًا، ويجعل من قداسنا مناسبة نرفع فيها الشكر لله ونجدد العهد بالسير على خطى البطاركة والقديسين الذين حملوا أمانة الإيمان بشجاعة وحزم».

وأشار إلى قول البطريرك الراعي يوم توليه السدة البطريركية: «إن طريقي هو إياه الذي سلكه أسلافي البطاركة من القديس يوحنا مارون إلى البطريرك نصرالله صفير»، مضيفًا: «ونضيف اليوم مرورًا بالبطريرك الحويك».

وتابع: «وبينكم وبين البطريرك الحويك سنوات من التاريخ، لكن المسيرة واحدة، والأمانة واحدة، والرسالة واحدة. أمانة للإيمان، وأمانة للكنيسة، وأمانة للإنسان، ولدولة لبنان الكبير الوطن الرسالة».

وأضاف خيرالله: «حمل البطريرك الحويك الكنيسة وشعبه في زمن صعب، وكان رجل إيمان وصلاة وتسليم للعناية الإلهية، وحمل مسؤولية الدفاع عن لبنان وعن حرية الإنسان وكرامته وقيمة العيش المشترك احترامًا للتعددية. واليوم نرى في غبطتكم امتدادًا لهذه المسيرة وحاملًا للأمانة نفسها في زمن لا يقل صعوبة وتحديًا».

وختم المطران خيرالله: «باسم أبناء وبنات أبرشية البترون ورعية حلتا، إكليروسًا وعلمانيين، شبابًا وكبارًا وصغارًا، نشكركم على حضوركم معنا، ونتقدم منكم بأسمى آيات المحبة والتقدير. بارككم الله وبارك مسيرتكم في حمل شعلة الإيمان والرجاء والمحبة، وفي الدفاع عن لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، ورسالة للعالم، ودولة محايدة تشهد للمصالحة والسلام. ولتبقى هذه الشعلة مضيئة لا تنطفئ، ونحملكم في صلواتنا لتبقوا الراعي والأب والقائد الحكيم لشعبنا التائق إلى السلام».

وبعد الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة قال فيها: «أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم». وأوضح أن المسيح، بهاتين الصورتين البسيطتين، الملح والنور، يختصر رسالة المؤمن في العالم، فالملح يحفظ ويعطي طعمًا، فيما النور يكشف الطريق ويمنح القدرة على الرؤية.

وقال إن المسيح يريد «إيمانًا له أثر، وحضورًا له معنى، وحياةً تشهد لله بما تصنع قبل أن تشهد له بما تقول».

وأضاف: «ما أجمل أن نسمع هذا الإنجيل اليوم هنا في حلتا، البلدة العزيزة التي خرج منها الياس الحويك إلى الكنيسة والوطن، ثم يعود إليها اليوم طوباويًا في ذاكرة أبنائها ووجدانهم. من هذه الأرض بدأت خطواته الأولى، ومنها حمل معه إيمان البيت وصلابة الجذور».

وتابع: «خرج من بلدة صغيرة حلتا، لكن الله وسّع أمامه الرسالة؛ ومضى ابنًا لهذه البلدة، فأصبح راعيًا لكنيسة، وصوتًا لشعب، ورجلًا لوطن، وطوباويًا في السماء».

وأشار إلى أن حلتا «لا تأتي لتفتخر بابنها وحسب، بل لتشكر الله عليه»، مضيفًا: «ونحن معها لا نحتفل باسم دخل سجل الطوباويين فقط، بل بحياة أثبتت أن الإنسان، عندما يسلّم ذاته لله، يستطيع أن يصبح نعمة تتجاوز حدود قريته وزمنه. من حلتا التي أعطته جذوره، إلى الكنيسة التي أعطاها قلبه، إلى لبنان الذي حمل قضيته، وبقي أمينًا للكلمة التي اختصر بها حياته: «إلهي رضاك»».

وحيا الراعي «أبناء حلتا، هذه البلدة البترونية الوادعة، المتجذرة في أرضها وإيمانها، بطابعها القروي الأصيل وبيوتها وعائلاتها التي حافظت على روح الانتماء والمحبة»، وقال: «فهنيئًا لأبناء هذه البلدة، وهنيئًا لنا جميعًا ولكم، وهنيئًا للكنيسة ولبنان بهذه النعمة».

وأضاف: «ولعل أجمل وفاء نقدمه اليوم للطوباوي مار الياس الحويك ليس أن نحفظ اسمه في الذاكرة وحسب، بل أن نحفظ شيئًا من روحه في حياتنا، وأن يبقى إيمانه حاضرًا في البيوت، وقيمه حية في الأجيال، وحبه لله والإنسان والوطن أمانة تتناقلها الأجيال».

وقال إن البطريرك الحويك «كان أكثر من راعٍ كنسي. كان رجل رؤية ووطن، جمع في شخصه قداسة الراعي، وحكمة القائد، وجرأة المدافع عن شعبه. حمل همّ الإنسان قبل همّ المؤسسة، ورفع صوت لبنان في المحافل الدولية، فكان إيمانه يصنع رجاء، وحكمته تبني جسورًا، وثباته يسهم في رسم ملامح لبنان الكبير».

وأضاف: «كان رجل الله، ورجل العناية الإلهية، وعرّاب لبنان الكبير، زخر الكنيسة وفخر الوطن. عاش تحت شعار لم يكن مجرد عبارة يرددها، بل قاعدة لحياته: «إلهي رضاك»».

وتابع: «كان ملحًا لأنه دخل إلى عمق آلام شعبه، وحفظ الرجاء حين كان اليأس أسهل، ودافع عن كرامة الإنسان عندما كانت مهددة. وكما يذوب الملح لكي يؤدي رسالته، ذاب هو في الخدمة، فلم يجعل ذاته محورًا، بل جعل الإنسان والكنيسة والوطن في قلب رسالته».

وقال إن الحويك «كان نورًا لأنه لم يكتفِ بأن يعرف الحقيقة، بل امتلك شجاعة الشهادة لها. أضاء في الكنيسة بحكمة الراعي، وفي المجتمع بخدمة الإنسان، وفي التربية برؤيته إلى المستقبل، وفي الوطن بثباته على حق لبنان في الحياة والكرامة».

وأضاف: «كان ملحًا فحفظ، وكان نورًا فدلّ. حفظ إيمان شعبه ورجاءه وحقه في وطن، ودلّ إلى طريق لا يفصل الله عن الإنسان، ولا الإيمان عن المسؤولية، ولا الكنيسة عن خدمة المجتمع والوطن. وكان اتكاله على العناية الإلهية اتكال العامل لا المنتظر. صلّى وعمل، وثق بالله وتحمل مسؤوليته، وآمن بأن الله يفتح الطريق، لكن الإنسان مدعو إلى السير فيه».

وفي البعد الوطني للعظة، قال الراعي: «من بلدة الطوباوي البطريرك إلياس الحويك، تأخذ هذه الكلمة اليوم بُعدًا وطنيًا خاصًا. ففي حضرة هذا الطوباوي لا يمكن أن نتحدث عن القداسة من دون أن نتحدث عن لبنان. فالحويك لم يفصل إيمانه عن وطنه، ولم يجعل الصلاة بديلًا عن المسؤولية؛ اتكل على العناية الإلهية، لكنه دخل في قلب قضايا شعبه، وحملها ودافع عنها».

وأضاف: «وفي زمن يعاني فيه لبنان من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ومعيشية، يطل علينا الحويك شاهدًا على حاجة الوطن إلى رجال دولة يملكون وضوح الرؤية، ونزاهة الضمير، وشجاعة القرار؛ يعرفون أن الموقع تكليف لا امتياز، وأن السلطة خدمة لا ملكية، وأن الإنسان هو الغاية الأولى من وجود المؤسسات».

وقال: «أن يكون المسؤول ملحًا يعني أن يحفظ المؤسسة من الفساد، ويصون المال العام ويحترم القانون؛ وأن يكون نورًا يعني أن تكون الحقيقة أساس مواقفه، والشفافية قاعدة عمله، والمسؤولية ميزان قراره. فالدولة تستعيد ثقة شعبها عندما تعمل مؤسساتها، ويصبح الحق حقًا للجميع لا امتيازًا للبعض».

وأردف: «من هنا، من أرض الحويك، تصل رسالته إلى المسؤول كما إلى المواطن: عودوا إلى الله، عودوا إلى الحقيقة، وعودوا إلى معنى المسؤولية. أنتم ملح هذه الأرض، وأنتم نور هذا الوطن».

وتابع: «لقد اتكل الحويك على العناية الإلهية، لكنه لم يطلب منها أن تقوم بما كان عليه هو أن يقوم به هو. وثق بالله ثم عمل، وحمل القضية وثابر وفاوض. هذا هو الدرس الذي يحتاج إليه لبنان اليوم: العناية الإلهية لا تلغي مسؤوليتنا، بل توقظها؛ والرجاء ليس انتظار المستقبل، بل العمل من أجله».

وختم الراعي: «فلا نقيس لبنان بحجم أزماته. لبنان كبير برسالته، وسيبقى كبيرًا بعناية الله، وبإرادة أبنائه حين يكونون أوفياء له. هذا لبنان الذي آمن به الحويك، وهذا لبنان الذي نريده دولة لا دويلات، وطنًا لا ساحة، رسالة لا صفقة، وبيتًا يتسع لجميع أبنائه. فلنحفظه بالحق، ولنضئه بالحقيقة، ولنصنع له السلام الذي ينتظره الشعب كله».

وختم صلاته قائلًا: «فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء من بلدة الطوباوي الحويك، ونرفع شكرنا إلى الله على نعمة هذا الابن الذي صار بركة لكنيسته ووطنه: يا رب، بارك هذه البلدة وأهلها وأجيالها، واحفظ لبنان وشعبه وأرضه، وثبّتنا في الحق والسلام والرجاء. وبشفاعة الطوباوي البطريرك مار الياس بطرس الحويك، اجعلنا دائمًا واثقين بعنايتك وأمناء لرسالتنا. وليبقَ لبنان كبيرًا برسالته ومحفوظًا بعناية الله. آمين».

وفي ختام القداس، ألقى كاهن الرعية الخوري إسحق كلمة باسم الرعية، رحب فيها بالبطريرك الراعي، وقال: «في هذا المساء المبارك، وفي كنيسة مار يوسف في حلتا، نستقبلكم بفرح وامتنان، لا كضيف، بل كأب يأتي إلى بيت من بيوت أبنائه، وإلى أرض أنجبت واحدًا من كبار رجالات الكنيسة والوطن، الطوباوي البطريرك مار إلياس بطرس الحويك».

وأضاف: «حلتا اليوم لا تحتفل بابنها فحسب، بل تستعيد روحها وتاريخها، وتفتخر برجل حمل الصليب وخدم الكنيسة وآمن بلبنان. ومن هذه الأرض بدأت مسيرة الحويك، الذي أصبح بطريركًا للموارنة وبطريركًا للبنان، وحمل أمانة الإيمان والكنيسة والوطن».

وقال: «لقد اختصر الحويك حياته بعبارتين بقيتا رسالة للأجيال: «إلهي رضاك» و«الله يدبّر». لكنه لم ينتظر العناية الإلهية مكتوف اليدين؛ بل صلى وعمل، وآمن وتحرك، وتحمل مسؤولياته، وكان من الذين ساهموا في قيام لبنان الكبير».

وتوجه إلى البطريرك الراعي قائلًا: «صاحب الغبطة، شكرًا لحضوركم إلى حلتا، وترؤسكم معنا قداس الشكر، وحملكم فرح تطويب ابننا إلى مسقط رأسه. إن حضوركم اليوم هو لقاء بين الراعي وأبنائه، وبين الماضي والحاضر، وبين البطريركية وهذه الأرض التي شهدت خطوات الحويك الأولى».

وأضاف: «ومن حلتا، نصلي بشفاعة الطوباوي مار إلياس الحويك من أجل لبنان، من أجل كنيسته وعائلاته وشبابه، ومن أجل أن يبقى وطننا حيًا بالإيمان، ثابتًا بالرجاء، موحدًا بالمحبة».

وختم بالقول: «يا ابن حلتا، يا بطريرك لبنان، صلِّ لأجلنا، وعلّمنا أن نقول معك: «إلهي رضاك»، وأن نثق بأن «الله يدبّر»، وأن نحب وطننا بالفعل والخدمة والتضحية».

وأضاف: «صاحب الغبطة، من حلتا نقول للبنان: لا نيأس. سنؤمن، سنصلي، وسنعمل. وبشفاعة الطوباوي مار إلياس بطرس الحويك، سيبقى لبنان وطنًا حيًا للإيمان، عزيزًا بالكرامة، ومضيئًا بالرجاء».

وبعد ذلك، جرى تقديم هدية تذكارية للبطريرك الراعي باسم رعية حلتا.

وعقب القداس، أزيحت الستارة عن لوحة تذكارية عند مدخل صالة الرعية تحمل اسم الطوباوي الحويك، على وقع قرع الأجراس والأسهم النارية، ثم أقيم كوكتيل وحفل استقبال للمهنئين بتطويب البطريرك الحويك.

وكان أقيم استقبال حاشد للبطريرك الراعي على وقع موسيقى فرقة حدث الجبة، فيما رفعت اللافتات المرحبة به، والتي حملت عبارات التهنئة بتطويب البطريرك الحويك على طول الطريق المؤدية إلى بلدة حلتا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |