برج أبي حيدر بعد سبت الدم: تفاصيل تُكشف للمرة الأولى خلافٌ فردي أم أبعد من ذلك؟

مالك دغمان – المدن
استفاقت منطقة برج أبي حيدر، صباح اليوم الأحد، على ثقل فاجعة الدم والتوتر الأمني الكثيف الذي يلف أزقتها وشوارعها، إثر الإشكال الدامي الذي شهدته المنطقة يوم أمس السبت، الذي تطور من خلاف فردي وبشري ظاهر حول “ركن سيارة” إلى مواجهة مسلحة حصدت قتيلين وجرحى، مهددةً بفتح الجرح الأمني والسياسي بين مكونات المنطقة البيروتية.
خلفية الخلاف: تفاصيل تُكشف للمرة الأولى
تكشف معلومات خاصة بموقع “المدن” عن الجذور الحقيقية والأولية التي أدت إلى فاجعة السبت. ووفق المصادر، فإن بداية المشكلة انطلقت من حادثة سابقة تعود لأشهر مضت؛ حيث كانت إحدى السيدات من “آل سعدو” تحاول ركن سيارتها بالقرب من باب مركز “جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية” في برج أبي حيدر.
في تلك الأثناء، اعترضها المدعو عمر مشهور (وهو من عرب المسلخ ومنتمٍ لجمعية المشاريع، ومنعها من ركن السيارة مستخدماً أسلوباً عدائياً. وعلى إثر ذلك، تدخل زوج السيدة وابن ابو جمال للدفاع عنها، فتطور التلاسن ليقدم عمر مشهور على إطلاق النار على “إلياس سعدو” وإصابته في قدمه.
عقب هذه الحادثة، قادت أطراف محلية رعاية “مصالحة وتعفيات” مشروطة بين الأطراف؛ وكان الشرط الأساسي لإتمام الصلح هو عدم حضور عمر مشهور إلى المنطقة أو التواجد أمام المقر مجدداً تجنباً للاحتكاك.
مجريات سبت الدم
غير أن الخرق وقع بعد ظهر أمس السبت، حين صادف مرور سيف الدين سعدو (أبو جمال) ونجله جمال في المحلة. وهناك، فوجئ الاثنان بوجود عمر مشهور تحت مركز جمعية المشاريع، وكان برفقة مرافِق لأحد النواب الحاليين، وهو عنصر يتبع لجهاز أمن الدولة.
توجه أبو جمال سعدو ليعاتب مشهور ويذكره بخرق اتفاق الصلح والشروط المطروحة (“أخلفتم الوعد”). سرعان ما تطور السجال الكلامي إلى إطلاق النار نحو أبو حمال وإبنه.
أدى إطلاق النار المباشر إلى إصابة سيف الدين سعدو ومقتله فوراً، فيما أُصيب نجله جمال سعدو بجروح بالغة الخطورة، نقل على إثرها إلى مستشفى المقاصد حيث خضع لعمليات جراحية دقيقة.
ولم تقتصر الفاجعة عند هذا الحد، بل أصابت النيران المباشرة الشاب ربيع المصري (وهو عنصر منتمٍ لجمعية المشاريع كان متواجداً بالصدفة في المكان لتوديع أصدقائه قبل سفره المقرر اليوم الأحد إلى ألمانيا)، فارق الحياة هو الآخر على الفور، لترتفع حصيلة الإشكال إلى قتيلين.
عقب الحادثة، نفذت مخابرات الجيش في بيروت مداهمات سريعة أسفرت عن توقيف عمر مشهور وعنصر أمن الدولة الذي كان برفقته، وبوشرت التحقيقات الفورية في مديرية المخابرات للوقوف على التفاصيل الميدانية وتحديد المسؤوليات الجزائية.
بيان المستقبل ونفي “المشاريع” وتهديد العشائر
على المستوى السياسي والعائلي، فتحت الحادثة الباب أمام حرب بيانات واضحة المعالم تعكس عمق الانقسام حول طبيعة الحادثة:
بيان تيار المستقبل: أصدرت منسقية بيروت في تيار المستقبل بياناً نعت فيه “الأخ العزيز أبو جمال سعدو، مسؤول التيار في منطقة برج أبي حيدر”، واصفةً ما جرى بـِ “الإشكال الغادر”، ومشيدةً بتاريخ الراحل في خدمة أبناء بيروت وساحات الواجب.
نفي جمعية المشاريع: في المقابل، أصدرت جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية بياناً توضيحياً نَفَت فيه أي علاقة لها بالإشكال “لا من قريب ولا من بعيد”، مؤكدةً أنه “خلاف فردي بين عائلتين”. ودعت الجمعية إلى “عدم زج اسمها في أي خلاف لا يمت إليها بصلة، وتجنب الشائعات التي تثير البلبلة”.
بيان آل سعدو والعشائر: جاء بيان عائلة سعدو وعشائر الماردلية في لبنان والإغتراب شديد اللهجة؛ إذ نعت العائلة ابنها “المغدور الشهيد أبو جمال سعدو”، واصفةً إطلاق النار بأنه تم من قبل “حرّاس ومرافقة جمعية المشاريع بأسلحة ثقيلة (M4)” وكان المجني عليه “أعزلاً بلا سلاح”. وأكدت العشائر في بيانها أنها “لن تسامح ولن ترأف بكل من شارك بالفعل أو بقى مكتوف الأيدي ينظر إلى جثة الشهيد”.
تخوف من البعد السياسي وتفلت السلاح
توقفت مصادر بيروتية متابعة عند خطورة هذه الأحداث في قلب العاصمة، مبدياً استغرابه الشديد وصدمته من حجم “السلاح المتفلت” المنتشر في أيدي العناصر والجماعات داخل الأحياء السكنية الضيقة، والذي يحول أي خلاف بسيط على ركن سيارة أو تفصيل بلدي إلى مجزرة دموية بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والثقيلة. ودعت المصادر وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية إلى الضرب بيد من حديد وعدم الاكتفاء بمعالجة النتائج، بل بضبط السلاح ومنع مظاهر التسلح داخل المحلات والمراكز في بيروت والمناطق.
من جهتها، لم تستبعد مصادر نيابية في حديثها لـِ “المدن” أن يكون للإشكال أبعاد وتراكمات سياسية حزبيّة غير معلنة. فالطرفان ينتميان إلى خلفيات تنظيمية وسياسية معروفة ومتقابلة في العاصمة (تيار المستقبل من جهة، وجمعية المشاريع من جهة أخرى)، مما يجعل تحويل الخلاف الفردي إلى تصفية حسابات ميدانية أمراً قابلاً للاشتعال في أي لحظة. وأضافت المصادر أن الخطاب المشحون وتغذية العصبيات المناطقية والعشائرية (بين عرب المسلخ والعشائر الماردلية) يضعان بيروت أمام امتحان أمني حقيقي، ما لم تتم التغطية السياسية الكاملة للقضاء والجيش لمحاسبة كافة المتورطين دون خطوط حمراء.




