أخبار محلية

3 أشهر فوق علي الطاهر… إسرائيل تكشف أسرار “المعركة تحت الأرض”

بعد 3 أشهر من القتال المتواصل والكمائن الطويلة والتحرك داخل الأحراج والصخور، كشفت إسرائيل تفاصيل العملية التي نفذتها وحدتا «ماغلان» و«يهلوم» في مرتفعات علي الطاهر جنوب لبنان، والتي انتهت، بحسب الرواية الإسرائيلية، بتفجير بنى تحتية تحت الأرض اعتبرها الجيش الإسرائيلي «أصلاً استراتيجياً» تابعاً للحزب، وذلك عشية رأس السنة العبرية.

وبحسب تقرير للصحافي إليشاع بن كيمون في موقع “ynet” الإسرائيلي، بلغت العملية ذروتها ليلة الخميس الماضي، بعدما خاضت قوات الكوماندوس والهندسة الإسرائيلية على مدى 3 أشهر سلسلة من الكمائن والاشتباكات والعمليات التي وُصفت بالمعقدة، قبل أن تنفذ عملية تفجير واسعة للبنى التحتية المكتشفة على التلال.

ويروي قائد وحدة «ماغلان»، المقدم «ر»، الذي تولى منصبه قبل نحو 3 أشهر ونصف الشهر بعد قيادته كتيبة في لواء «ناحال»، أن العملية لم تبدأ في علي الطاهر، بل جاءت امتداداً لسلسلة تحركات بدأت، وفق قوله، منذ عبور الليطاني والسيطرة على الشقيف وصولاً إلى المرتفعات.

وقال: «وصلنا إلى مرتفعات علي الطاهر قبل 3 أشهر. الوحدة سيطرت على قرية مزرعة علي الطاهر بالتعاون مع وحدة إيغوز، وبعدها بدأنا السيطرة على المرتفعات. احتككنا بمقاتلي حزب الله، وبدأنا الدخول إلى المنطقة عبر الكمائن والتحرك داخل الأحراج، وجمعنا صورة استخباراتية وبدأنا خنق المنطقة».

من جهته، قال المقدم «د»، قائد سرية «س.2» في وحدة «يهلوم»، إنه بعد عبور الليطاني بدأت سلسلة عمليات حملت اسم «مروم هاريم»، وكانت البداية في مرتفعات الشقيف.

وأضاف: «وجدنا هناك عدداً كبيراً من المسارات الاستراتيجية التي كان هدفها الدفاع عن المرتفعات ومنع الجيش الإسرائيلي من عبور الليطاني، إضافة إلى توفير القيادة والسيطرة لحزب الله».

وتابع أن المهمة في علي الطاهر تمثلت في «تحديد البنى التحتية وفحصها وتدميرها»، واصفاً إياها بأنها «أكثر مهمة معقدة نفذتها خلال خدمتي العسكرية، وربما الأكثر أهمية أيضاً».

وأشار الضابط الإسرائيلي إلى أن طبيعة الأرض جعلت المهمة شديدة التعقيد، قائلاً إن الوصول إلى الجبل والعمل داخله كانا صعبين، خصوصاً أن المنطقة تبعد عن القوات المتمركزة في كفرتبنيت بنحو 1.5 كيلومتر، وكانت، وفق وصفه، خارج منطقة السيطرة العملياتية المباشرة.

كما تحدث عن تضاريس صعبة تتخللها الأحراج والصخور الضخمة، ما انعكس على عمليات الإخلاء والتحرك، إضافة إلى وجود عشرات المقاتلين من الحزب الذين قال إنهم استخدموا المسيّرات والنيران غير المباشرة ضد القوات.

وأضاف أن كل ذلك جرى في ظل «وقف إطلاق نار معيّن»، لكن الاشتباكات ومسيّرات التفجير استمرت، مشيراً إلى أن المرتفعات كانت، وفق توصيفه، منفصلة عن «الخط الأصفر» ولم تُعامل باعتبارها منطقة خاضعة لوقف إطلاق النار.

وفي المراحل الأولى من العملية، تكبدت الوحدة الإسرائيلية خسائر خلال المعارك.

وقال قائد «ماغلان» إن الوحدة خاضت معركة صعبة أثناء السيطرة على القرية، قُتل خلالها الرقيب أول نير بن آري بصاروخ، فيما أُصيب عدد من الجنود.

وأضاف: «لن أنسى لحظة واحدة ستبقى معي سنوات. الحادثة في القرية كانت صعبة، وترى أمامك الجميع، مقاتلين يركضون نحو النار لإنقاذ رفاقهم».

وتابع أن أحد المصابين وصل إلى المستشفى في حالة شديدة الخطورة، مضيفاً: «الطبيب قال لي إنه أحد أصعب المصابين في الحرب، واليوم هو يتعافى. هذه هي روح القتال».

وأشار إلى أن القوات عادت في اليوم التالي لاستكمال العملية، رغم استمرار إطلاق المسيّرات الهجومية والنيران باتجاهها.

ومع تقدم القوات، بدأت، وفق الرواية الإسرائيلية، تتضح طبيعة المنشآت الموجودة في المنطقة.

وقال قائد «ماغلان»: «ربطنا المعلومات الاستخباراتية الموجودة على الأرض، واكتشفنا موقعاً محصناً تم إعداده منذ وقت طويل، ووجدنا أصلاً استراتيجياً».

وأضاف أن القوات عثرت على مقاتلين داخل المنشآت، وكاميرات وعبوات مفخخة وشحنات ناسفة وقاذفات صواريخ وصواريخ «غراد» ومسيّرات وطائرات من دون طيار.

كما قال إن القوات فوجئت بالعثور على كاميرات مخفية داخل الأحراج، بعضها عبارة عن دوائر مراقبة مغلقة، وبعضها الآخر مخصص لجمع المعلومات الاستخباراتية.

وأوضح أن تحرك القوات داخل الأحراج سمح باكتشاف تلك المنظومة، مشيراً إلى أن الروتين اليومي على المرتفعات كان يقوم على حالة استنفار مستمرة والحفاظ على وتيرة عملياتية مرتفعة.

وأضاف: «كل مقاتل كان يستعد لكمين يستمر عدة أيام، ويتحرك سراً، ويصل إلى موقعه ويبقى هناك في كمين سري مستخدماً وسائل خاصة، ثم ينتظر بصبر».

أما المرحلة الأكثر تعقيداً، وفق الضابط في «يهلوم»، فكانت مرتبطة بتحديد مسارات الأنفاق وفهم بنيتها.

وقال: «أنشأنا تنسيقاً بين العمل فوق الأرض والعمل تحتها. كنا أمام لغز: كيف نفكك مرتفعات علي الطاهر وما هو موجود تحت الأرض؟».

وأضاف أن الجيش الإسرائيلي جلب إلى الموقع «جميع الخبراء» المتخصصين في هذا المجال، وأنشأ مجموعات تفكير للتوصل إلى خطة تدفع المقاتلين الموجودين تحت الأرض إلى الخروج.

وقال إن القوات قطعت عمليات الإمداد التي كانت تتم بواسطة المسيّرات، ثم نفذت عمليات تمشيط راجلة للعثور على فتحات الأنفاق وتحديد المناطق المرتبطة بها.

وأوضح أن الجنود حاولوا دراسة اتجاه المسارات ونقاط تشعبها، والبحث عن مؤشرات غير مألوفة، مثل المعادن المخفية تحت الصخور أو بين الشجيرات، والفتحات في الأرض والأسلحة الموضوعة خارج مواقع الانطلاق.

وكشف أن مسارين تحت الأرض تم اكتشافهما بصورة متزامنة، وأن القوات تمكنت من «فك لغز» الأول بعد نحو شهر، والثاني بعد شهر ونصف الشهر.

وفي الوقت نفسه، أتاحت الكمائن الطويلة للقوات الإسرائيلية رصد تحركات مقاتلين على مسافات قصيرة.

وقال قائد «ماغلان»: «كلما تعمقنا داخل المرتفعات بدأنا نرى العدو يتقلص».

وأضاف أن القوات أزالت في إحدى المرات كاميرا مراقبة، ثم شاهدت مقاتلين يفرون وآخرين يحاولون إخراج رؤوسهم من فتحات الأنفاق.

كما تحدث عن محاولات إمداد بواسطة المسيّرات، قائلاً: «ترى مسيّرة فوقك ثم تسقط حزمة، وعندما تفتحها تجد طعاماً وسجائر».

وقال الضابط الإسرائيلي إن القوات تعاملت مع نوعين من المقاتلين.

النوع الأول، وفق روايته، كان يأتي من الخارج لمحاولة مساعدة الموجودين تحت الأرض، وكان أفراده يرتدون الزي العسكري ويحملون الأسلحة والسترات، فيما حاول بعضهم التخفي باستخدام البطانيات أو بزات تمويه.

وأضاف: «كنا منتشرين بالشكل الصحيح وبعمق وبالوسائل المناسبة، وخلال هذه الفترة قُتل عدة عشرات من المقاتلين، إما عن بعد بواسطة المسيّرات وإما في اشتباكات وجهاً لوجه».

أما النوع الثاني، فقال إنه كان يخرج من تحت الأرض مرتدياً ملابس مدنية ويحمل بنادق كلاشنيكوف.

وأضاف: «مارسنا ضغطاً كبيراً جداً. إما أن العدو غادر، وإما أننا قتلناه».

من جهته، قال قائد السرية في «يهلوم» إن القوات نفذت لاحقاً سلسلة عمليات سرية بعد تكوين صورة دقيقة عن الموجودين داخل الأنفاق.

وأضاف: «نفذنا عمليات مختلفة جعلت في النهاية بقاء العدو داخل الأنفاق شبه مستحيل».

وأوضح أن القوات نفذت تحركات «أزعجت» الموجودين تحت الأرض ودفعتهم إلى الخروج إلى السطح، حيث حاول الجيش الإسرائيلي استهدافهم.

وأشار أيضاً إلى تنفيذ محاولات تفاوض واستخدام مكبرات الصوت لمخاطبة الموجودين داخل المنشآت.

أما ما وجدته القوات داخل المسارات، فقد وصفه الضباط الإسرائيليون بأنه غير اعتيادي.

وقال قائد «ماغلان» إن الحديث يدور عن مسارات «مهمة جداً تمتد كيلومترات عدة»، وتضم غرف عمليات وتجهيزات طبية وغرف قيادة ومراكز عمليات، إضافة إلى مراحيض وأنظمة تهوية ومطابخ صغيرة.

كما قال إن القوات عثرت على وسائل استخباراتية وأسلحة وصفها بالمهمة.

وأضاف أن تلك المنشآت، بحسب تقديره، أُعدت مسبقاً للحرب بحيث تتيح تنفيذ عمليات هجومية وقيادتها من تحت الأرض.

وادعى أن الموقع كان يُستخدم في إدارة عناصر شاركوا في استهداف بلدات الشمال وفي مهاجمة القوات الإسرائيلية خلال عبور الليطاني.

بدوره، قال قائد السرية في «يهلوم»: «دخلنا فعلياً إلى داخل هذه المنشآت، وكان المسار استثنائياً بالفعل».

وأضاف أن أكثر ما لفت نظره كان عدد مراكز القيادة والحواسيب ومستوى التنظيم والترتيب.

وتابع: «ما فاجأني فعلاً هو غرف العمليات الجراحية المتطورة. لم تكن عيادة، بل غرفة تحتوي تجهيزات للجراحة وأدوية ومواد تخدير وأسرّة، وهذا شيء لم أشاهده في أماكن أخرى».

وتحدث الضابطان كذلك عن الظروف التي عاشها الجنود خلال الأشهر الـ3 للعملية.

وقال المقدم «د» إن مقاتلي السرية لم يعودوا إلى منازلهم طوال 3 أشهر.

وأضاف: «لم يغسلوا وجوههم ولم يأكلوا كما يأكل الناس. ناموا في الأحراج في الخارج، في البرد والحر، وبقوا ساعات في كمائن طويلة، ونفذوا ما كان مطلوباً منهم لأنهم فهموا أهمية المهمة، ولم يشتكوا».

وقال قائد «ماغلان» إن العملية كانت «معركة كوماندوس بكل معنى الكلمة» منذ اليوم الأول وحتى نهايتها، وتتطلب الحفاظ على وتيرة عملياتية مرتفعة.

وأشار إلى إصابة عدد من القادة ومقتل نير بن آري، مضيفاً أن بعض المقاتلين والقادة أصيبوا ثم عادوا إلى القتال وأصيبوا مرة أخرى خلال الجولة نفسها.

وقال: «لدينا جيل مجنون»، معتبراً أن روح الوحدة تقوم على محاولة الالتفاف على الخصم والتقدم عبر التمويه والعمل الطويل والدقيق.

ووصلت العملية إلى ذروتها مع قرار تفجير كامل المنشآت المكتشفة في المرتفعات قبل العيد.

وقال قائد «ماغلان»: «قبل التفجير أخذت المقاتلين إلى الشقيف، ومن هناك ترى كل شيء. ترى بلدات الشمال، ولا تحتاج إلى شرح كثير عن أهمية النقطة المسيطرة».

وأضاف أن نقاشاً دار حول تنفيذ التفجير قبل رأس السنة العبرية أو بعدها، إلا أن الجنود، بحسب روايته، أصروا على استكمال المهمة.

ونقل عنهم قولهم: «رأس السنة أو ليس رأس السنة، لا يهمنا العيد في المنزل. لن نغادر من هنا قبل أن نفجر الموقع».

وختم قائلاً: «في النهاية نجحنا في الوقت الأخير وخرجنا على الجرس. كانت معركة ستُحفر في تاريخ الوحدة».

وبحسب الرواية التي قدمها الضباط الإسرائيليون لـynet، لم تكن عملية علي الطاهر مجرد مواجهة على نقطة مرتفعة، بل حملة استمرت 3 أشهر لقطع الإمداد وكشف منظومة تحت الأرض ودفع الموجودين فيها إلى الخروج، قبل تفجيرها بالكامل، في واحدة من أبرز العمليات التي يعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذها في عمق الجنوب اللبناني خلال هذه المرحلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |