Featuredأخبار محلية

نبيه بري… إطفائي الجمهورية

بقلم: دافيد عيسى، سياسي لبناني.

في الجمهورية اللبنانية، حيث تتراكم الأزمات وحيث يكاد الاحتقان السياسي يجد طريقه دائماً إلى الشارع، يبرز دور نبيه بري بوصفه «إطفائي الجمهورية».

الرجل الذي لا يدّعي القدرة على إلغاء الخلافات السياسية، ولا يمنع اشتعالها، لكنه يعرف كيف يحصر نارها داخل المؤسسات، وتحديداً تحت قبة البرلمان.

وما جرى في جلسة مجلس النواب يومي أمس وأول من أمس عكس بوضوح هذا الأسلوب في إدارة اللحظات السياسية الأكثر توتراً.

فقد تُرك للنواب مجال واسع للتعبير عن مواقفهم، وارتفعت نبرة السجالات حول الحرب وملف السلاح ودور الدولة وأداء الحكومة، لكن كل ذلك بقي داخل المؤسسة الدستورية.

شهد المجلس سجالات حادة بين عدد من النواب، من بينها السجال بين النائب علي عمار، عضو كتلة الوفاء للمقاومة، والنائبين بولا يعقوبيان وأشرف ريفي، وكذلك السجال بين النائبين زياد حواط وميشال معوض والنائب إيهاب حمادة، عضو كتلة الوفاء للمقاومة.

وعكست هذه المواجهات حجم الانقسام السياسي حول المقاومة والسلاح ودور الدولة، لكنها بقيت في إطار العمل النيابي ولم تتجاوز قبة البرلمان.

وهنا تحديداً تظهر أهمية بري.

فالإطفائي لا يستطيع دائماً منع النار من الاشتعال، لكنه يستطيع حصرها ومنع انتشارها.

كذلك في السياسة، لا يستطيع رئيس المجلس إلغاء الخلافات، لكنه يستطيع أن يوفر لها مساحة للتعبير داخل مؤسسة لها قواعدها، بدلاً من أن تنتقل إلى الشارع حيث يصبح التحكم بمسارها أكثر صعوبة.

وقد اختار بري أن تكون الجلسة في إطار المناقشة العامة، لا جلسة استجواب أو مساءلة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام جلسة استجواب للحكومة لاحقاً.

وقد يبدو الأمر إجرائياً، لكنه في السياسة اللبنانية يحمل دلالة مهمة: إدارة إيقاع المواجهة بما يسمح بتصريف الاحتقان داخل المؤسسة.

فالبرلمان هو المكان الطبيعي الذي تتواجه فيه الآراء، وتُطرح الاعتراضات، وتُوجَّه الانتقادات إلى الحكومة.

وارتفاع الصوت داخله، مهما كان حاداً، يبقى جزءاً من الحياة السياسية ما دام محكوماً بقواعد المؤسسة.

لكن المشهد الأوضح الذي يضيف بعداً عملياً إلى هذه القراءة جاء مع التصويت على الثقة بالحكومة.

فحركة أمل، التي يرأسها نبيه بري، منحت الحكومة الثقة.
وفي المقابل، انسحب نواب حزب الله من الجلسة من دون المشاركة في التصويت.

هذه الواقعة ليست تفصيلاً عابراً.
فهي أظهرت تبايناً واضحاً في الموقف السياسي: حركة أمل منحت الحكومة الثقة، بينما اختار نواب حزب الله عدم المشاركة في التصويت. ومع ذلك، بقي التباين داخل المؤسسة الدستورية، ولم يتحول إلى مواجهة خارجها.

وهنا تقوى حجة وصف بري بـ«إطفائي الجمهورية».

فالمسألة ليست أن الجميع متفقون، بل أن الاختلاف نفسه بقي قابلاً للإدارة.

موقف سياسي يُسجّل، وتصويت يُجرى، ونواب ينسحبون من الجلسة، ثم تستمر العملية الدستورية.

وهذا هو جوهر دور بري كما يظهر في مثل هذه اللحظات: إدارة التناقضات بدلاً من إنكارها، واحتواء الخلاف بدلاً من تركه يتمدد.

نبيه بري ليس مجرد مدير لجلسة نيابية، بل صاحب تجربة سياسية وبرلمانية طويلة في إدارة مساحة تجمع خصوماً سياسيين لكل منهم مواقفه وحساباته وجمهوره.

وقد عرف، خلال مسيرته الطويلة وتجربته، أن لبنان لا يحتمل دائماً انتقال الخلاف السياسي من المؤسسات إلى الشارع.

لذلك، فإن إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، حتى عندما يكون الحوار صاخباً، يتيح تصريف الاحتقان بدلاً من تركه يبحث عن ساحات أخرى.

في بلد تتقاطع فيه الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، تصبح إدارة الاحتقان جزءاً من إدارة الدولة نفسها.

ومن هنا، فإن قيمة جلسة اليومين الماضيين لا تكمن فقط في الكلمات التي قيلت أو في حدة السجالات، بل في قدرة البرلمان على استيعاب هذا القدر من التوتر السياسي داخل المؤسسة.

فحين تتحول الصرخة إلى مداخلة، والاعتراض إلى موقف، والغضب إلى تصويت، والخلاف إلى نقاش، تبقى السياسة في مكانها الطبيعي: داخل المؤسسات.

هكذا هو نبيه بري في المشهد اللبناني: لا يلغي الخلاف، ولا يمنع التباين، لكنه يعمل على إبقاء النار السياسية تحت سقف المؤسسة.

الدولة لا تُحمى دائماً بمنع الخلاف، بل أحياناً بحسن إدارة الخلاف.

والبرلمان لا يفقد دوره عندما ترتفع فيه الأصوات، بل عندما يصبح الشارع بديلاً عن المؤسسة.

ومن هنا، فإن وصف نبيه بري بـ«إطفائي الجمهورية» ليس مجرد استعارة صحفية، بل خلاصة لمسار سياسي يقوم على إدارة التناقضات، وحصر الخلافات داخل المؤسسات، وإبقاء باب الحوار مفتوحاً حتى في أكثر اللحظات تعقيداً.

وهذا، ببساطة، هو إطفائي الجمهورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |