أزمة الدعوات الروحية: من إقفال مدرسة راهبات الناصرة إلى مواقف الفاتيكان

“اخبار اليوم”
تعكس قضية إقفال مدرسة راهبات الناصرة في الأشرفية، بعد ما تراجع عدد الراهبات إلى أقل من 38 راهبة على مستوى العالم، أزمة انخفاض الدعوات الروحية (الرهبانية والكهنوتية) في الكنيسة الكاثوليكية عالمياً ومحلياً.
فالقضية ليست شأناً تنظيمياً داخلياً خاصاً بجمعية بعينها، بل بحسب المعلومات المتداولة، فإن قرار الرئاسة العامة للراهبات في روما بنقل ملكية المدرسة التاريخية أو إغلاقها يعود إلى “انكماش الرهبانية ديموغرافياً”، إذ يصبح من الصعب على عدد بهذا الحجم إدارة مؤسسات تربوية كبيرة، فتلجأ الرهبانيات إلى دمجها أو تصفية مؤسساتها.
ويرى مرجع كنسي، عبر وكالة “أخبار اليوم”، أن القضية ليست معزولة عما تعانيه الكنيسة منذ سنوات جراء ما يُعرف بـ”أزمة الدعوات” (Vocation Crisis). وحتى لبنان، المعروف تاريخياً بـ”بلد القداسة والدعوات”، تشهد فيه الرهبانيات الكبرى تراجعاً ملموساً في أعداد المبتدئين والمبتدئات، بنسب تصل أحياناً، بحسب المرجع، إلى النصف مقارنة بالسنوات الماضية.
ويرافق ذلك، وفق المرجع عينه، شيخوخة المؤسسات الرهبانية، إذ إن أغلب الراهبات والرهبان في الجمعيات التي أسست المدارس الكبرى أصبحوا متقدمين في السن. ويبدي خشيته من أنه مع غياب الأجيال الشابة قد يتعذر على الرهبانيات الحفاظ على انتشارها ومؤسساتها التربوية والاجتماعية.
وعن الأسباب، يقول المرجع: يعود هذا التراجع إلى أسباب متداخلة، فالعالم، ولبنان جزء منه، يشهد تحولات اجتماعية وثقافية نحو العولمة والنزعة الفردية، مع تراجع دور العائلة الممتدة والعائلة المتدينة التقليدية التي كانت تشجع أبناءها على “النذر الروحي”. كما تدفع الأزمات الاقتصادية وضغوط المعيشة والهجرة، العائلات والشباب إلى التركيز على تأمين المستقبل المادي والمهني، ما يقلل من جاذبية “الحياة المكرسة” القائمة على نذور “الفقر والطاعة والعفة”.
وعلى المستوى الفاتيكاني والبابوي، يشير المرجع إلى وجود مواقف واضحة تقرّ بوجود أزمة حادة في نقص الدعوات، ولا سيما في أوروبا وأميركا الشمالية وبعض مناطق الشرق الأوسط، ويتعامل الكرسي الرسولي مع الملف كتحدٍّ جوهري يمسّ مستقبل الخدمة الرعوية والتربوية للكنيسة، لا كمجرد تراجع في الأرقام.
ويضيف: شخّص البابا الراحل فرنسيس الأزمة بجرأة في أكثر من مناسبة، ففي المقابلة العامة في ساحة القديس بطرس في 22 أيار 2024، وأمام مبتدئات من جمعيات نسائية إيطالية، تساءل عن عدد الإيطاليات بينهن، مشيراً إلى أنهن قلة. وكان قد حذّر عام 2018، أمام أساقفة إيطاليا، من إغلاق إكليريكيات وأديار وكنائس في السنوات المقبلة بسبب نقص الدعوات. وقدّم كذلك قراءة روحية للظاهرة خلال لقاء خاص مع يسوعيين في أثينا في كانون الأول 2021، نُشر نصه لاحقاً في مجلة “لا تشيفيلتا كاتوليكا”. وفي هذا اللقاء رأى أن تراجع أعداد اليسوعيين إلى نحو النصف يحمل درساً يجب أخذه بالاعتبار، وأن الدعوة تأتي من الله وليست مما يقرره البشر، فهي نعمة مجانية لا وظيفة أو ترقية اجتماعية.
ويرى المرجع أن لجوء بعض الرهبانيات الأوروبية المتعبة إلى جلب فتيات وشبان من آسيا وأفريقيا لملء الفراغ في أديرتها، من دون تمييز روحي حقيقي أو تنشئة ملائمة، وبهدف إنقاذ عقارات الرهبنة أو مؤسساتها، قد يكون حلاً موقتاً لا يعالج أصل المشكلة الثقافية والروحية في المجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق، تؤكد الإحصاءات السنوية التي يصدرها “مكتب الإحصاء المركزي للكنيسة” استمرار التراجع في أعداد الكهنة والراهبات وطلاب الإكليريكيات عالمياً، ولا سيما في أوروبا. وتظهر في المقابل مفارقة جغرافية: ففي حين تنخفض الأعداد في الغرب والشرق الأوسط، تشهد الكنيسة نمواً ملحوظاً في الدعوات في أفريقيا وآسيا، ما يدفع الفاتيكان إلى الحديث عن “إعادة تموضع ثقلي للكنيسة” نحو الجنوب العالمي.
أما الحل، فيرى المرجع أنه يرتكز على “كنيسة علمانية وسينودسية”، أي “السير معاً”، بحيث يقابل تراجعَ أعداد الرهبان والراهبات تفعيلُ دور المؤمنين العلمانيين. وقد شدد البابا فرنسيس، في رسالة له في اليوم العالمي للدعوات، على أن لكل معمَّد دعوة ورسالة في المجتمع.
وعلى هذا الأساس، يتابع المرجع: لا تستسلم الكنيسة والمدارس الكاثوليكية للإغلاق لمجرد غياب الراهبات، بل تتجه إلى تقوية دور العلمانيين. وفي حالة مدرسة سيدة الناصرة، يُتداول أن إحدى الرهبانيات قد تتولى ملكية المدرسة أو إدارتها، في وقت يطالب فيه القدامى بالإبقاء عليها مع تقوية دور العلمانيين من خريجيها، الحاملين للروحية والإرث التاريخي نفسه للمؤسسة.
ويختم: الحل لا يكمن في البكاء على الأعداد، بل في نقل المسؤولية التربوية والإدارية بأمانة إلى العلمانيين لإكمال الرسالة.




