عودة: الكبرياء دفع بعض اللبنانيين إلى إدانة مواطنيهم وأذيتهم

دعا متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة إلى الخروج من منطق الحساب والمصلحة نحو المحبة والرحمة والعطاء، محذرًا من أن الكبرياء تدفع الإنسان إلى إدانة الآخرين، ومعتبرًا أن بعض اللبنانيين أساؤوا إلى مواطنيهم انطلاقًا من شعورهم بأنهم “أكثر وعيًا أو وطنية أو دراية”.
وترأس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس، وألقى عظة بعد قراءة الإنجيل، أكد فيها أن جوهر الحياة المسيحية يقوم على معاملة الآخرين كما يرغب الإنسان في أن يعاملوه، وعلى محبة تتجاوز منطق المصالح والمقابل.
وقال إن “المحبة المسيحية ليست مجرد شعور لطيف تجاه الآخرين، ولا هي مكافأة نقدمها لمن أحبنا وأحسن إلينا”، لافتًا إلى أن المسيح يدعو إلى محبة تتخطى منطق العالم، لأن مصدرها الله نفسه.
وربط عودة بين المحبة والعطاء، مستشهدًا بكلام الرسول بولس: “من يزرع شحيحًا فشحيحًا أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد”، مشددًا على أن المحبة ليست فكرة نظرية، بل حياة تُترجم أفعالًا.
وأوضح أن العطاء الحقيقي لا يكون بدافع الخسارة أو ضغط المجتمع أو بحثًا عن مديح الناس، بل يصدر عن قلب حر، معتبرًا أن الرحمة لا تقتصر على الشعور بألم الآخر، وإنما تعني تحويل هذا الشعور إلى فعل محبة.
ورأى أن إنسان العصر يعيش في عالم يدفعه إلى حساب الربح والمصلحة في علاقاته وأفعاله، حتى إن أعمال الخير قد تتحول إلى وسيلة لنيل التقدير، وقال: “حين تكون المحبة مشروطة برد الآخر تصبح تجارة، وحين يكون العطاء مربوطًا بما سيكون المقابل يصبح استثمارًا لا رحمة”.
واعتبر أن المشكلة لا تكمن دائمًا في قلة ما يملكه الإنسان، بل في كثرة ما يحتفظ به لنفسه، محذرًا من “الأنا والكبرياء” باعتبارهما يدفعان الإنسان إلى الشعور بأنه مركز العالم وإلى التحول إلى ديّان للآخرين.
وانتقل عودة إلى الواقع اللبناني، قائلًا: “الكبرياء دفع بعض اللبنانيين إلى إدانة مواطنيهم وأذيتهم والإساءة إليهم بحجة أنهم أفضل منهم وأكثر وعيًا أو وطنية أو دراية، وأنهم يمتلكون المعرفة أو الحق”.
وأضاف أن الجميع متساوون في عيني الرب، وأن “لا فضل لإنسان على آخر إلا بقدر تشبهه بخالقه في التواضع والمحبة والرحمة والتضحية والوداعة والعطاء”.
وشدد في الوقت نفسه على أن محبة الأعداء لا تعني “أن نسمي الشر خيرًا”، أو السماح باستمرار الظلم بلا حدود أو التغاضي عن قول الحقيقة والدفاع عن الحق، موضحًا أن الإنسان يستطيع رفض الظلم والعنف والحقد والقتل ووضع حد لمن يؤذيه، من دون السماح للكراهية بأن تستقر في قلبه.
وأكد عودة أن المطلوب ليس أعمالًا عظيمة، بل خطوات تبدأ بمسامحة شخص أو زيارة مريض أو مساعدة محتاج أو التوقف عن الحكم على الآخرين أو منح الوقت لمن يحتاج إلى الإصغاء، معتبرًا أن هذه الأعمال الصغيرة في أعين الناس تشكل “بذارًا أبدية”.
وختم عظة الأحد بالدعوة إلى مراجعة ما يزرعه كل إنسان في حياة الآخرين، قائلًا: “هل زرعنا سلامًا أم اضطرابًا؟ رجاءً أم يأسًا؟”، داعيًا إلى الخروج من “منطق الحساب” والدخول في “منطق الإنجيل”، وإلى التمسك بقلب يعيش حرية المحبة والرحمة بدل الخوف من الخسارة.
وتأتي مواقف عودة في إطار عظاته الأسبوعية من كاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت، التي يتناول فيها القضايا الروحية والأخلاقية، ويربطها في كثير من الأحيان بالواقع الاجتماعي والوطني اللبناني.




