جابر يتحفّظ عن استخدام الهامش المالي… فهل يعرّض الحكومة لخطر متزايد؟

“نداء الوطن”
تكشف بيانات مصرف لبنان عن كتلة مالية كبيرة للقطاع العام لدى المصرف المركزي، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة الطاقة وانعكاساته على الكهرباء والمحروقات ومستوى المعيشة.
وبحسب السلسلة الإحصائية المنشورة على موقع مصرف لبنان، بلغت ودائع القطاع العام لديه 906.914 تريليون ليرة في نهاية تموز 2026. ويعادل هذا المبلغ حسابياً نحو 10.1 مليارات دولار عند احتسابه على سعر 89,500 ليرة للدولار. غير أن هذا التحويل لا يعني أن الودائع مقوّمة بالدولار أو أنها أموال نقدية بالدولار قابلة للسحب، إذ إن الجزء الأكبر منها بالليرة، كما أن بند «ودائع القطاع العام» يشمل حسابات جهات عامة متعددة، ولا يقتصر على حساب الخزينة.
أما القول إن الحساب 36 وملحقاته يستحوذان على الجزء الأكبر من هذه الودائع، بما يقدّر بنحو 3 إلى 4 مليارات دولار، فلا يمكن تثبيته من البيانات المنشورة حالياً. فمصرف لبنان لا ينشر، ضمن السلسلة المتاحة، رصيد الحساب 36 بصورة مستقلة، كما لم تُحدَّد في وثيقة رسمية حديثة منشورة حصة الحساب من إجمالي ودائع القطاع العام. لذلك يبقى هذا التقدير غير مؤكد، ويحتاج إلى كشف رسمي من وزارة المالية أو مصرف لبنان.
ويُعرَّف الحساب 36 في وثائق وزارة المالية بأنه حساب الخزينة لدى مصرف لبنان، لكن وجود الأموال فيه لا يعني تلقائياً إمكان إنفاقها من دون قيود. فالتصرف بالمال العام يخضع لقانون الموازنة والاعتمادات المرصودة، أو لقوانين خاصة أو قرارات تستند إلى الأصول القانونية النافذة.
وبحسب مصادر مطلعة وموثوقة، برز موقف وزير المال ياسين جابر المتحفظ عن التوسع في استخدام السيولة خلال نقاشات في مجلس الوزراء، كما ظهر في النقاشات النيابية المتعلقة بالإنفاق وتمويل حاجات الدولة. ولا يتوافر، في المقابل، محضر منشور يثبت بصورة تفصيلية مضمون هذه المواقف أو يحدد قيمة الأموال التي رفض الوزير استخدامها. لذلك تُنسب هذه المعلومات إلى المصادر، ولا تُقدَّم باعتبارها موقفاً رسمياً معلناً.
وتكتسب المسألة حساسية خاصة في ملف الكهرباء. فقد أعلنت وزارة الطاقة والمياه أن الدولة ومؤسساتها مطالبة بتسديد مستحقات لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، وتحدث وزير الطاقة جو الصدي عن مبالغ تقارب 50 مليون دولار شهرياً. ويجب التعامل مع هذا الرقم بوصفه تقديراً أو مطالبة صادرة عن وزارة الطاقة، لا باعتباره رقماً مدققاً ومستقلاً، ما لم تنشر مؤسسة كهرباء لبنان أو وزارة المالية كشفاً تفصيلياً يثبت قيمته ومكوناته.
في هذا السياق، يرى منتقدو سياسة وزارة المال أن استخدام جزء من السيولة المتاحة يمكن أن يساعد في تغطية أكلاف الكهرباء المترتبة على القطاع العام، بالتوازي مع البحث في خفض مؤقت لبعض الرسوم والضرائب على المحروقات، للتخفيف من أثر ارتفاع أسعار النفط على المستهلكين. إلا أن وزارة المال، وفق المصادر نفسها، تتمسك بالحاجة إلى اعتماد قانوني يجيز استخدام الأموال لهذه الغاية، سواء عبر الموازنة أو عبر قانون خاص يقره مجلس النواب.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومة مجتمعة. فإذا كانت الدولة تملك هامشاً مالياً قابلاً للاستخدام، فإن عدم المبادرة إلى إعداد مشروع قانون يحدد آلية استعماله، وأوجه الإنفاق، والمدة، والرقابة، قد يحوّل الخلاف من مسألة قانونية إلى أزمة سياسية. وفي المقابل، فإن استخدام الأموال من دون غطاء تشريعي واضح قد يعرّض المسؤولين لمخاطر قانونية ومالية، ويعيد إنتاج ممارسات الإنفاق الاستثنائي التي ساهمت في إضعاف المالية العامة.
المسألة، إذاً، لا تقتصر على خلاف محاسبي بين وزارتي المال والطاقة. فاستمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يضيف موجة تضخم جديدة إلى أعباء الغذاء والسلع الأساسية والتعليم والصحة، ويزيد الضغط على الأسر والقطاعات الاقتصادية. ومن شأن ذلك أن يفاقم الغضب الشعبي ويضع الحكومة أمام اختبار سياسي واجتماعي صعب.
أما الخطر الثاني فيتمثل في احتمال استثمار هذا الغضب من قوى سياسية معارضة، بما فيها حزب الله، أو من جهات أخرى تسعى إلى تحويل المطالب المعيشية إلى اعتراض سياسي أوسع. ولا توجد، في المعلومات المتاحة، أدلة منشورة تثبت وجود قرار من حزب الله لإشعال احتجاجات، ولذلك يبقى هذا الاحتمال سيناريو سياسياً لا واقعة مثبتة.
وإذا كان رئيس الحكومة يعوّل على دعم عربي ودولي، إضافة إلى الغطاء السياسي المحلي، للحفاظ على استقرار حكومته، فإن هذا الدعم قد لا يكون كافياً إذا انفجر الشارع تحت ضغط المعيشة. فالدعم السياسي لا يخفض تلقائياً سعر المحروقات، ولا يسدد مستحقات الكهرباء، ولا يقلل كلفة الاستشفاء أو أسعار المواد الغذائية. أما تحويله إلى تمويل مباشر لقطاع الطاقة، فيبقى احتمالاً غير مضمون في ظل الأزمات الدولية والضغوط المالية التي تواجهها الدول المانحة.
لذلك يصبح السؤال الأساسي: هل تملك الدولة هامشاً مالياً يمكن استخدامه قانونياً ومدروساً لتخفيف صدمة الطاقة العالمية، أم أن التحفظ المالي سيستمر من دون طرح بديل تشريعي وتمويلي واضح؟
إذا كان لدى الخزينة فعلاً رصيد كبير قابل للاستخدام، فإن عدم توظيف جزء منه في معالجة أزمة استثنائية قد يحمّل الحكومة كلفة اجتماعية وسياسية متزايدة. أما إذا كانت الأموال مقيدة أو مرتبطة بالتزامات تخص جهات عامة أخرى، فعلى وزارة المال أن تنشر تفاصيل الحساب 36 وملحقاته، وتوضح الجزء المتاح فعلياً، والجزء المخصص أو غير القابل للصرف.
وفي غياب هذا الكشف، يبقى رقم 906.914 تريليون ليرة رقماً إجمالياً لودائع القطاع العام، لا رصيداً للحساب 36، كما يبقى تقدير 3 إلى 4 مليارات دولار لحصة الخزينة غير مثبت رسمياً. لكن استمرار الغموض، بالتزامن مع تصاعد كلفة الكهرباء والمحروقات، قد يحوّل الخلاف المالي إلى أزمة ثقة تهدد استقرار الحكومة نفسها.




