لبنان على خارطة الجوع العالمية

علي فاعور – اللواء
إن 7 سنوات من الانهيار لم تنتج فقراً متساوياً على مساحة لبنان. لكن عام 2026 حمل تحوّلاً أخطر: لم يعد انخفاض الدخل واتساع الفقر وحدهما كافيين لتفسير الأزمة، بعدما أصبح الوصول المنتظم إلى الغذاء نفسه مهدّداً لدى شرائح واسعة من السكان.
فبحسب التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (Integrated Food Security Phase Classification – IPC)، وهو إطار دولي لتحليل وتصنيف شدّة انعدام الأمن الغذائي، قُدّر بين نيسان وآب 2026 عدد الذين يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد – المرحلة الثالثة «الأزمة» أو أعلى – بنحو 1.24 مليون شخص، أي 24% من السكان المشمولين بالتحليل. ثم أدرجت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، لبنان بين 13 بلداً وإقليماً ضمن بؤر الجوع العالمية.
لا يعني ذلك أن لبنان يعيش مجاعة، بل إن الخطر أصبح في مكان آخر: الغذاء موجود، لكن القدرة على الوصول إليه أصبحت شديدة التفاوت بين السكان والمناطق.
1- من خريطة الفقر إلى بؤر الجوع
يبدو الرقم الوطني من انعدام الأمن الغذائي الحاد 24% ، مرتفعاً في ذاته، لكنه يخفي التفاوت الأهم. ففي بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور، وهي من أكثر المناطق تعرّضاً للحرب، قُدّر أن 55-65% من السكان يواجهون انعداماً حادًّا في الأمن الغذائي في المرحلة الثالثة أو أعلى، بينهم نحو 10% في مرحلة «الطوارئ». أي إن نسبة السكان في الأزمة أو أسوأ، قد تجاوزت ضعفي المتوسط الوطني، واقتربت في بعض المناطق من ثلاثة أضعافه.
لكن بؤر العجز الغذائي لم تولد مع الحرب. ففي أول تحليل وطني لـIPC عام 2022، كان 33% من اللبنانيين المقيمين في مرحلة «الأزمة» أو أعلى. ثم تراجعت المؤشرات في السنوات التالية، قبل أن تعيد الحرب والنزوح رسم الخريطة، مضيفة إلى فقر الأطراف المزمن نمطاً جديداً من العجز الغذائي «الصدمي» في الجنوب.
وهنا تبدأ خريطة الجوع بالابتعاد جزئياً عن خريطة الفقر التقليدية، وفق التباينات الآتية:
1) ففي الجنوب لم يعد انخفاض الدخل وحده هو العامل الحاسم؛ أضيف إليه النزوح وفقدان العمل والأرض والمحصول واضطراب الأسواق وتضرر الخدمات. وهكذا ظهر نمط يمكن وصفه بـالعجز الغذائي «الصدمي» بفعل الحرب والنزوح: أسر كانت تملك منزلاً أو أرضاً أو مصدر عمل، ثم فقدت خلال فترة قصيرة جزءاً من الأصول التي كانت توفر لها الدخل والغذاء.
2) أما عكار والشمال، فتعمل الآلية بصورة مختلفة. فالحرب ليست العامل الأصلي في الأزمة، بل يأتي العجز الغذائي فوق قاعدة قديمة من الفقر وضعف فرص العمل والخدمات. ولذلك يكون الانتقال من الفقر إلى العجز الغذائي هنا أساساً نتيجة تآكل القدرة الشرائية: كلما ضاقت ميزانية الأسرة، أصبح الغذاء ينافس الكهرباء والمياه والسكن والدواء والنقل على المبلغ المحدود نفسه.
3) وفي البقاع وبعلبك–الهرمل تظهر مفارقة أخرى: وجود الزراعة لا يضمن أمن السكان الغذائي. فقد سجلت بيانات 2025 بين الأسر الزراعية المشمولة بالمسح مستويات متوسطة أو شديدة من انعدام الأمن الغذائي بلغت 59% في بعلبك و52% على مستوى محافظة بعلبك–الهرمل. وهي أرقام خاصة بالأسر الزراعية، وليست بجميع السكان، لكنها تكشف أن إنتاج الغذاء لا يحمي الأسرة عندما ترتفع كلفة المدخلات وتتراجع المداخيل وتضيق الأسواق.
4) أما في بيروت الكبرى وطرابلس وصيدا والضواحي، فالمشكلة مختلفة مرة أخرى. الطعام متوافر في الأسواق، لكن الأسرة الحضرية تشتري من السوق معظم شروط حياتها: الغذاء والسكن والكهرباء والمياه والنقل والدواء. ولذلك يمكن أن توجد داخل محافظة ذات متوسط أفضل نسبياً تباينات شاسعة، لكن أحياء وتجمعات شديدة الهشاشة لا تظهر في المتوسط الإداري.
وهكذا نكون أمام ثلاث آليات مكانية للعجز الغذائي: عجز القدرة الشرائية في الشمال وأجزاء من البقاع؛ وعجز حضري مركب في المدن والضواحي؛ وعجز غذائي «صدمي» بفعل الحرب والنزوح في الجنوب. وهذا يعني أن خريطة الفقر وخريطة العجز الغذائي تتقاطعان، لكنها لا تتطابقان؛ فالفقر المزمن يفسر هشاشة الأطراف، وكلفة الحياة تضغط على المدن، بينما تستطيع الحرب خلال أسابيع نقل أسر ومناطق من الهشاشة إلى أزمة غذائية حادّة.
2- معادلة الحرب تغيّر معالم النزوح والهجرة وتعمّق أزمة الغذاء
تظهر حرب 2026 مدى سرعة هذا التحوّل. فبين تشرين الثاني 2025 وآذار 2026، كان نحو 874 ألف شخص، أو 17% من السكان المشمولين بتحليل «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في أزمة غذائية من المرحلة الثالثة أو أعلى.. وبعد التصعيد العسكري والنزوح الواسع ارتفع العدد المتوقع بين نيسان وآب إلى 1.24 مليون شخص، أو 24%؛ أي إن نحو 366 ألف شخص إضافي دخلوا دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال فترة قصيرة.
لكن النزوح لا يعني تغيير مكان السكن فقط. فالأسرة التي تغادر قريتها قد تترك وراءها المنزل والعمل والأرض والمحصول والمتجر وشبكة العلاقات التي كانت تخفض كلفة معيشتها وفي ذروة التصعيد، بقي أكثر من مليون شخص نازحين؛ ثم تراجع العدد مع عودة قسم من السكان إلى أكثر من 352 ألفاً.
وقد يعود السكان إلى قراهم، لكن العودة الجغرافية لا تعني استعادة شروط الحياة والإنتاج. وتتضح الخسارة بصورة أشدّ في الريف الجنوبي، حيث ترتبط الأرض بالدخل والغذاء معاً. فحتى 4 أيار 2026 بلغت المساحات الزراعية المتأثرة نحو 56.264 هكتاراً، وسُجلت أضرار في 64 بلدة جنوبية. كما أن الحيازات الصغيرة تمثل نحو 80% من الحيازات الزراعية في الجنوب، ما يعني أن الصدمة أصابت اقتصاد الأسر الريفية الصغيرة مباشرة.
ومن هنا لا تكفي إعادة بناء المنزل وحده. فالعودة المستدامة تحتاج إلى مسكن قابل للحياة، وأرض زراعية آمنة وقابلة للإنتاج بعد ما أصابها من قصف وحرائق وتلوث، بما في ذلك آثار استخدام الفوسفور الأبيض ومخلّفات الحرب؛ كما تحتاج إلى المياه والكهرباء والأسواق والمدارس والخدمات الصحية ومصدر للدخل. وإلا أمكن إعادة السكان إلى المكان من دون إخراجهم من دائرة الفقر والعجز الغذائي. والاستنتاج الأهم حتى اليوم، اتساع مشكلة ما بعد اليونيفيل: أكثر من نصف مواقع القوة، وعددها الإجمالي يقارب 50 موقعاً، أصبح داخل مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، ما يجعل تسليمها إلى الجيش اللبناني بالغ الصعوبة. ثم التزايد في إجمالي الدمار، ثم تحول النزوح المؤقت إلى اقتلاع طويل الأمد؛ إذ تجتمع السيطرة المكانية، وتدمير القرى والأرض الزراعية، وتعثر المناطق التجريبية، وضعف تمويل العودة في إعادة تشكيل المجال السكاني للجنوب.
3- ضرائب فوق غلاء المعيشة: تراجع القدرة الشرائية
فوق خريطة الفقر والعجز الغذائي والحرب، تأتي اليوم خريطة ضريبية جديدة مع مشروع موازنة 2027. ولا تكمن المشكلة في حاجة الدولة إلى الإيرادات، وهي حاجة فعلية بعد سنوات الانهيار والحرب، بل في السؤال الأكثر ارتباطاً بهذه الدراسة: من يدفع، وبأي نسبة من قدرته، وماذا يحصل في المقابل؟
تكشف قراءة مشروع الموازنة أن ضرائب الاستهلاك تشكل 78.5% من إجمالي الإيرادات الضريبية المتوقعة. والأكثر دلالة أن نحو 552.4 مليون دولار، أي 55.2% من كامل الزيادة الضريبية، تأتي من مصدرين يمسّان الاستهلاك مباشرة: 327.9 مليون دولار من المحروقات والمواد القابلة للاشتعال، و224.5 مليوناً من ضريبة القيمة المضافة.
وهنا تظهر المشكلة الاجتماعية: فالضريبة تُدفع عند الشراء بصرف النظر عن دخل المستهلك، لكن أثرها ليس متساوياً. فالأسرة محدودة الدخل تنفق القسم الأكبر من مواردها على الغذاء والسكن والطاقة والنقل، بينما يستطيع أصحاب الدخول الأعلى ادخار جزء أكبر من دخولهم. فالمساواة في معدل الضريبة لا تعني المساواة في القدرة على تحمّلها. وتزداد المفارقة عندما ننظر إلى الجهة الأخرى من الخريطة الضريبية. فبينما تظل ضرائب الاستهلاك مهيمنة، تتراجع حصة ضرائب الثروة من 9.2% إلى 7.3% من الإيرادات الضريبية، وتنخفض إيراداتها المقدرة بنحو 23.1 مليون دولار، فيما ترتفع الإيرادات المتوقعة من الضرائب على أجور العاملين بنسبة أكبر بكثير من الزيادة المتوقعة من الضرائب على أرباح الأعمال. وبلغت واردات لبنان السلعية نحو 21.1 مليار دولار عام 2025؛ ومع أنها لا تمثل كلها استهلاكاً كمالياً، فإن الواردات مرتفعة القيمة تطرح الحاجة إلى نظام أكثر تصاعدية يميّز بين استهلاك الضرورة والرفاه.
ويظهر الاختلال أيضاً في الانتفاع بالأملاك والموارد العامة. فالإيرادات المقدرة من تسويات إشغال الأملاك العامة البحرية لا تتجاوز نحو 16 مليون دولار في مشروع 2027، مقابل نحو 35 مليوناً مقدرة سابقاً، فيما تبقى ملفات المقالع والكسارات واستغلال الموارد الطبيعية مجالاً آخر يستوجب جباية ورقابة أكثر فاعلية. وهناك مورد لا يحتاج إلى ضريبة جديدة: مكافحة التهرب وتحسين الامتثال؛ فبقاء الدخل أو الربح المستحق للضريبة خارج الشبكة ينقل العبء إلى من يسهل التحصيل منه.
ولا تنتهي المسألة عند الضرائب، لأن الأسرة اللبنانية تدفع أيضاً كلفة ضعف الخدمات العامة: للكهرباء ثم للمولد، وللمياه ثم للصهريج، وللنقل الخاص في ظل ضعف النقل العام. وبذلك تتنافس من دخل واحد كلفة الغذاء والسكن والطاقة والمياه والنقل والصحة والضرائب.
الأمن الغذائي مرآة لأزمة أعمق
تكشف خريطة لبنان في 2026 أن الوصول إلى بؤر الجوع لم يكن نتيجة نقص الغذاء في الأسواق، بل حصيلة تراكم انهيار الدخل والقدرة الشرائية والتفاوت المناطقي، ثم الحرب والنزوح وفقدان مصادر الرزق.
ولذلك لا يمكن اختزال المعالجة بالمساعدات الغذائية؛ فالأمن الغذائي يرتبط باستعادة شروط الحياة والعمل والخدمات والحماية الاجتماعية، وبسياسة مالية أكثر عدالة تراعي القدرة على الدفع.
فالخروج من دائرة الجوع لا يبدأ بزيادة الغذاء وحدها، بل بـاستعادة قدرة الإنسان على الوصول إليه، والعيش بكرامة في المكان الذي ينتمي إليه.




