قراءة حادّة للمشهد… الخطيب:”ما يجري أبعد من معركة عسكرية”

أكد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب أن طبيعة الصراع القائم في المنطقة تتصل، في جوهرها، بالأرض والنفوذ وامتلاك عناصر القوة، معتبرًا أن فهم المواجهة مع الغرب يجب أن ينطلق من هذا المنظور، لا من مقاربة دينية أو فكرية ضيقة.
وخلال ندوة فكرية نظمها “مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي”، رأى الخطيب أن جذور المواجهة تعود إلى بدايات الإسلام، مشيرًا إلى أن العلاقة مع اليهودية والمسيحية يجب أن تُقرأ بعيدًا من التعميم، مع التمييز بين الجماعات والتيارات والمواقف المختلفة.
كما أوضح أن الصراع، في مراحل أساسية منه، لم يكن حوارًا فكريًا حول حقيقة الإسلام بقدر ما اتخذ أشكالًا من التشكيك برسالة النبي محمد ومحاولة تشويه صورته، قبل أن ينتقل في العصر الحديث إلى مواجهة ذات أبعاد سياسية وثقافية وحضارية.
ورأى أن تقدم الغرب صناعيًا وماديًا دفع شرائح من العرب والمسلمين إلى الانبهار بتجربته، خصوصًا بعد مرحلة التراجع في أواخر العهد العثماني، مشيرًا إلى أن هذا الانبهار لم يكن دائمًا نتيجة نقاش فكري متكافئ، بل جاء في كثير من الأحيان نتيجة الشعور بالحاجة إلى الخروج من واقع التخلف.
لفت إلى أن هذا المسار انعكس على قطاعات من النخب والمؤسسات التعليمية والثقافية، في مقابل استمرار مراكز دينية وعلمية، بينها النجف والأزهر والزيتونة، في مواجهة ما اعتبرته محاولات لفرض هيمنة فكرية غربية.
واعتبر الخطيب أن التقدم المادي تحوّل، في مراحل لاحقة، إلى أداة للتأثير الثقافي، عبر انتشار نماذج فكرية وفلسفية عدة، بينها الليبرالية والرأسمالية والإلحاد، مشيرًا إلى أن بعضها استُخدم، بحسب قراءته، لإعادة تشكيل وعي المجتمعات العربية والإسلامية وإبعاد الدين عن الحياة العامة.
أيضاً، رأى أن تحميل الإسلام مسؤولية التخلف دفع بعض النخب إلى تبني النموذج الغربي بصورة شبه كاملة، من دون التمييز بين الإفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي وبين التخلي عن الخصوصيات الثقافية والحضارية.
واعتبر أن ما تشهده المنطقة اليوم يعكس، في جانب منه، تراجعًا لمشروع التغريب وإخضاع المنطقة سياسيًا وثقافيًا للغرب وإسرائيل.
في قراءة للتحولات الإقليمية، رأى الخطيب أن اعتماد القوى الغربية سابقًا على أطراف محلية لحماية مصالحها بدأ يتراجع، وأن التدخل الأميركي والغربي المباشر في المواجهات مع الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين وإيران يشير، بحسب تعبيره، إلى انتقال الصراع من مرحلة إدارة المواجهة عبر أطراف محلية إلى انخراط مباشر من القوى الأساسية.
وأضاف أن المنطقة تقف أمام مرحلة تحول قد تطول أو تقصر، معتبرًا أن تمسك الشعوب بحقوقها يمكن أن يغيّر موازين القوى مهما بلغت الخسائر.
كما أشار إلى أن بعض القوى السياسية والسلطات في لبنان كانت، قبل الحرب على إيران، تراهن على أن طهران لن تتمكن من مواجهة الولايات المتحدة، وأن المقاومة لن تصمد، معتبرًا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن المعركة أكثر تعقيدًا من هذه التقديرات.
وتوقف عند اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة، معتبرًا أن البعض تعامل معها باعتبارها نهاية للصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت استمرار القضية الفلسطينية وبقاء المقاومة عنصرًا فاعلًا في المشهد.
كما رأى أن الثورة الإسلامية في إيران شكّلت نقطة تحوّل في المنطقة، بالتوازي مع تراجع قدرة مشروع التسوية على حسم الصراع، واستمرار المقاومة الفلسطينية واللبنانية.
واعتبر أن انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 شكّل محطة سياسية ومعنوية مفصلية، لأنه أظهر، وفق قراءته، إمكان تغيير موازين القوى، ودفع إسرائيل وحلفاءها إلى البحث عن وسائل جديدة لاحتواء هذا التحول، سواء عبر الضغوط السياسية أو الانقسامات الداخلية أو الحروب.
وشدد الخطيب على أن مشاريع الفتنة الطائفية لم تحقق كل أهدافها رغم ما شهدته سورية والعراق ولبنان من حروب وخسائر، معتبرًا أن قوى المقاومة بقيت متمسكة بقضاياها وأن المجتمعات لا تزال قادرة على تجاوز تداعيات الانقسامات.
وتناول تداعيات السنوات الثلاث التي أعقبت “طوفان الأقصى”، مشيرًا إلى الحجم الكبير من الضحايا والدمار والتهجير، ولا سيما في غزة، ومعتبرًا أن الحرب طرحت تساؤلات جدية حول التزام الولايات المتحدة والدول الغربية بالقانون الدولي وحماية المدنيين حين تتعارض هذه المبادئ مع مصالحها السياسية والإستراتيجية.
ورأى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تكبدتا، إلى جانب النتائج العسكرية، خسائر على المستويات الإستراتيجية والإعلامية والحضارية، معتبرًا أن التقييم لا يمكن أن يقتصر على المكاسب الميدانية الآنية، بل يجب أن يشمل قدرة الأطراف على تحقيق أهداف بعيدة المدى.
وفي الشأن اللبناني، وصف الخطيب ما يحصل بأنه “مؤسف”، خصوصًا عندما تتحول الخلافات الداخلية إلى عامل إضافي لإضعاف المجتمع، بدل أن تكون مدخلًا لمراجعة وطنية.
وقال إن التطورات والتضحيات التي شهدتها المنطقة كان يجب أن تدفع اللبنانيين إلى مزيد من الوحدة، لا إلى الانقسام، معتبرًا أن الخسارة لا يمكن اختزالها بطائفة، كما أن أي انتصار لا يمكن قراءته باعتباره انتصار طائفة على أخرى.
وأشار إلى أن لبنان يحتل موقعًا مهمًا في تشكيل الروايات السياسية والإعلامية المرتبطة بالصراع، وأن مواقفه الداخلية والخارجية تتجاوز في تأثيرها حدوده الجغرافية.
وشدد على أن المواجهة ليست معركة المسلمين وحدهم، بل ترتبط بمستقبل المجتمعات وقدرتها على الحفاظ على استقلالها وكرامتها وتنوعها، داعيًا إلى منع تحويلها إلى سبب إضافي للانقسام الداخلي.
كما وجّه التحية إلى الشخصيات والقوى التي أسهمت فكريًا وثقافيًا وإعلاميًا في مسار المقاومة، مستذكرًا الإمام السيد موسى الصدر، ومتوقفًا عند أصوات ارتفعت في لبنان بعد استشهاد قادة المقاومة وما تعرض له الجنوب من دمار، معتبرًا أن بعضها ساهم في تعميق الخلاف الداخلي بدل فتح باب مراجعة وطنية شاملة.
ورأى أن ما جرى لا يجب اختزاله بمفهوم “الهزيمة”، بل يجب وضعه في سياق أوسع، مع الإقرار بحجم الخسائر والتضحيات التي تكبدها اللبنانيون، داعيًا إلى التمييز بين الخسائر الميدانية والإنسانية وبين التقييمات السياسية والإستراتيجية.
وأكد أن المرحلة تستدعي مراجعة جدية لكل ما يحمي لبنان ويصون وحدته ويمنع تحويل آلام اللبنانيين إلى وقود لانقسامات جديدة.
وفي ختام كلمته، وجّه الخطيب التحية إلى شهداء فلسطين ولبنان، وإلى الشعب الفلسطيني وأمهات الشهداء في غزة والضفة الغربية، كما استذكر الشهيد السيد حسن نصر الله والشهيد السيد هاشم صفي الدين وقادة المقاومة ومقاتليها.
وأكد أن الوفاء للشهداء لا يكون بالخطابات فقط، بل بحماية الناس وصون وحدتهم والدفاع عن حقوقهم ومنع استغلال تضحياتهم في الصراعات الداخلية، معتبرًا أن المرحلة الحالية “امتحان صعب” يتطلب الثبات والوعي ورفض الفتنة الطائفية وحماية لبنان والمنطقة من مزيد من الدمار والانقسام.




