عن الصحافة وتصفية الحسابات

نداء الوطن – عمر حرفوش
حين تتحوّل الخلافات الشخصية إلى عائق أمام العمل الإعلامي، يصبح السؤال أكبر من خلاف بين زملاء: أي إعلام نريد للبنان؟
منذ سنة ونصف السنة، أعمل يوميًا، بكل ما أملك من وقت وجهد وإمكانات مالية، من أجل مشروع إعلامي لبناني أؤمن بقدرته على التطوّر والتأثير. لم أدخل هذا المجال لأكون طرفًا في خصومات الآخرين، ولا أن أكون ضحية خصوماتهم، بل لأنني أحمل حلمًا: أن تكون الصحافة اللبنانية مساحة للحوار، ومنبرًا لتعدّد الآراء، وجسرًا بين المناطق اللبنانية ومكوّناتها، وواجهة تليق ببلد لطالما امتلك طاقات إعلامية وثقافية استثنائية.
أؤمن بأن الاستثمار في الإعلام ليس مجرّد مساهمة مالية، ولا علاقة عابرة بين شركاء. إنه مسؤولية تجاه مؤسسة، وتجاه العاملين فيها، وتجاه الجمهور الذي يمنحها ثقته. وهو، قبل كل شيء، رهان على المستقبل؛ على قدرة الصحافة على تجاوز الحسابات الضيّقة، وعلى تقديم محتوى يوسّع النقاش العام بدلا من أن يعيد إنتاج الانقسامات نفسها.
لكنني أجد نفسي أحيانًا أمام واقع مختلف تمامًا عن الحلم الذي انطلقت منه. فبدلا من أن تكون الأولوية لتطوير المؤسسة، وتوسيع حضورها، وبناء علاقاتها، وتعزيز موقعها في المشهد الإعلامي اللبناني، تعود إلى الواجهة خلافات شخصية واجتماعية واقتصادية بين لبنانيين، وكأنّ على كل مشروع جديد أن يرث خصومات أصحابه، وأن يختار معسكرًا قبل أن يختار طريقه.
وهنا أطرح السؤال: هل يُفترض بالمؤسسات الإعلامية أن تتحوّل إلى امتداد للخلافات الشخصية؟ وهل يجوز أن تتقدّم الاعتبارات الخاصة على مصلحة المؤسسة، وعلى حقّ الصحافيين في العمل، وعلى حقّ الجمهور في الاطلاع على محتوى متنوّع ومستقل؟
أنا رجل أؤمن بالسلام واحترام الآخرين، وخصوصًا النساء، لا بالشعارات وحدها، بل في طريقة التعامل مع الآخرين أيضًا. أؤمن بأن الاختلاف لا يستوجب العداء أو الذكورية، وأن الخصومة لا ينبغي أن تتحوّل إلى قطيعة دائمة، وأن الإنسان يستطيع أن يختلف مع شخص في قضية، ثم يلتقي معه في قضية أخرى تخدم المصلحة العامة. وهذا لا يمنعني من تقدير العمل الصحافي حين أجد فيه ما يستحق التقدير، ولا من احترام حقّ الصحافيين في التعبير، ولا من التمييز بين الخلاف القانوني وبين قيمة العمل الإعلامي نفسه. كما أنني أتابع ما ينشره صحافيون وإعلاميون أختلف معهم في مواقفهم، وأستطيع أن أقدّر بعض أعمالهم من دون أن أتنازل عن موقفي في أي قضية عالقة بيننا.
فالخلاف القضائي يُعالَج أمام القضاء، والخلاف المهني يُناقَش بالحجّة، أما الصحافة فلا ينبغي أن تصبح رهينة الخصومات الشخصية. ومن غير المنطقي أن نطالب بحرية الإعلام واستقلاليته عندما يصب الموقف في مصلحتنا، ثم نرفضهما عندما يصدر رأي لا يعجبنا أو عندما يكون صاحبه على خلاف معنا.
لا أطلب من أحد أن يتخلّى عن قناعاته، ولا أن يتجاهل حقوقه أو خلافاته. أطلب فقط ألّا نسمح لهذه الخلافات بأن تبتلع كل شيء آخر. فلبنان أكبر من خلاف بين شريكين، وأكبر من خصومة بين صحافي ورجل أعمال، وأكبر من أي حساب شخصي، مهما كان عمره أو حجمه.
لقد دخلت هذا المشروع وفي ذهني صورة مختلفة: مؤسسة تستطيع أن تجمع اللبنانيين بدلا من أن تعكس انقساماتهم، وأن تفتح أبوابها أمام الأفكار والمناطق والطاقات المختلفة، وأن تتحوّل إلى مساحة للتواصل لا إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات. وأريد لشركائي أن يروا في هذا المشروع فرصة لبناء شيء مشترك، لا مناسبة لإعادة فتح ملفات الماضي.
قد أختلف مع هذا الإعلامي، وقد أقاضي تلك المؤسسة، وقد أرفض مضمون مقال أو موقف. لكنني لا أريد أن يكون ذلك سببًا لإغلاق باب التعاون في كل ما يمكن أن يخدم لبنان. فالبلد الذي يحتاج إلى إعادة بناء علاقاته وثقة أبنائه بنفسه، لا يمكنه أن يتقدّم إذا كان كل خلاف يتحوّل إلى حرب، وكل اختلاف إلى معركة إلغاء.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الحواجز بين أبنائه، بل إلى أشخاص يملكون الشجاعة لبناء الجسور. والإعلام، بما له من تأثير وقدرة على تشكيل الرأي العام، يجب أن يكون في طليعة هذه المهمة.
هذا هو المشروع الذي أؤمن به، وهذه هي المسؤولية التي أريد أن أتحمّلها. لا أبحث عن انتصار شخصي على أحد، ولا أريد أن أكون طرفًا في معركة لا تخصّني. أريد أن أساهم في بناء إعلام لبناني أقوى، أكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على جمع الناس حول قضايا تستحق الاهتمام.
أما الخلافات، فلكلّ منها مكانها وطريقتها في المعالجة. لكن لا ينبغي أن يكون ثمنها تعطيل المؤسسات، أو خنق المبادرات، أو إجهاض الأحلام.
أنا اخترت أن أستثمر في مشروع إعلامي لبناني لأنني أؤمن بلبنان. وأريد أن يبقى هذا الإيمان أقوى من كل خلاف شخصي.




