اقتصاد الحروب: من يمول الفوضى ومن يراكم الأرباح؟

في الشرق الأوسط، لم تعد الحرب مجرد صراع على الأرض، بل صراعاً على تدفقات المال والموارد والأسواق والحدود. وهي تتجاوز الجيوش والجماعات المسلحة: إلى الاقتصاد الذي يمولها، والشبكات التي تعيش عليها، والأسواق التي تنشأ حولها، والمصالح التي قد تجعل استمرار الصراع أكثر جاذبية من حسمه.
فعندما يصبح استمرار الصراع مصدراً للتمويل أو النفوذ، لا يعود السلام مجرد تسوية سياسية، بل يصبح تهديداً لمصالح اقتصادية ترسخت خلال الحرب. وهذه ليست بالضرورة مؤامرة تديرها غرفة واحدة، وإنما منظومة مصالح متقاطعة تجعل الفوضى قابلة للاستدامة من دون أن تحتاج إلى مدير واحد.
اقتصاد الحرب التقليدي يعبّئ موارد الدولة لخدمة القتال. أما في الدولة الهشة، فقد يصبح القتال نفسه وسيلة للسيطرة على الموارد. تتحول الحدود إلى مصادر دخل، والمعابر إلى نقاط جباية، والسلع المدعومة إلى سوق سوداء، والنفط إلى أداة تمويل، والمساعدات إلى مورد سياسي.
وعندما يصبح السلاح حامياً للاقتصاد غير الشرعي، والاقتصاد غير الشرعي ممولاً للسلاح، تنشأ دائرة اقتصادية مغلقة قادرة على إعادة إنتاج الصراع.
وهنا تكمن قوة “اقتصادات الظل”. فهي لا تعمل بالضرورة خارج الاقتصاد الرسمي، بل تتداخل معه عبر شركات ووسطاء ومصارف وأسواق، فتنتقل الأموال والسلع بين القنوات القانونية وغير القانونية في شبكة يصعب فصل أطرافها. لذلك فإن تجفيف اقتصاد الحرب أصعب من هزيمة طرف عسكري، وقد يبقى اقتصاد الحرب حياً حتى بعد سقوط أحد أطراف الصراع.
نماذج من اقتصادات الحروب
خلال الحرب السورية، تشكّل اقتصاد متعدد المصادر، من المعابر والتهريب والسيطرة على الموارد إلى الاقتصادات غير الشرعية. وأصبح الكبتاغون أحد أكثر مظاهره وضوحاً. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الشرق الأدنى والأوسط استحوذ على 77% من المضبوطات العالمية للكبتاغون بين 2020 و2024. والمغزى لا يكمن في حجم التجارة فقط، بل في قدرة الشبكات التي نشأت خلال الحرب على التكيف مع تغير السلطة والحدود والظروف السياسية.
وفي العراق وليبيا يظهر نموذج مختلف: الريع النفطي في ظل هشاشة المؤسسات. ففي العراق شكّل النفط عام 2025 نحو 53% من الناتج الحقيقي، و88% من إيرادات الحكومة، بينما شكّل النفط والغاز في ليبيا عام 2024 نحو 65% من الناتج، و72% من الإيرادات. وعندما تتركز الثروة بهذا الشكل، يصبح الصراع على الدولة، في جانب منه، صراعاً على السيطرة على آلة توزيع الريع.
وهنا تكمن إحدى أخطر خصائص اقتصاد الحرب: أنه لا ينتهي بالضرورة بانتهاء القتال، فالشبكات التي راكمت رأس المال والعلاقات والخبرة خلال الصراع، تستطيع إعادة تدوير نفسها في اقتصاد ما بعد الحرب.
من أين يأتي التمويل؟
هناك التمويل الحكومي المباشر وتمويل الوكلاء، والموارد التي تستولي عليها القوى المحلية، وصولاً إلى التهريب وغسل الأموال والتحايل على العقوبات. وفي هذه الطبقة تصبح المنظومة المالية العالمية جزءاً من ساحة الصراع، ليس بالضرورة عن قصد، بل لأن الأموال تستطيع التحرك عبر شركات ووسطاء وحسابات متعددة.
ومن الحالات الموثقة مصرف “الهدى” العراقي، الذي اتهمته وزارة الخزانة الأميركية باستغلال وصوله إلى الدولار، واستخدام أشخاص ووثائق مزورة للتحايل على ضوابط شراء العملة، وتنفيذ تحويلات إلى الخارج بلغت، وفق الخزانة، ما لا يقل عن 6 مليارات دولار.
المغزى ليس تحميل الجهاز المصرفي العراقي مسؤولية جماعية، بل كشف آلية أكثر تعقيداً: كيف يمكن لمؤسسة مالية صُممت لإدارة احتياجات سوق الصرف أن تُستغل في إنشاء قناة تمويل موازية. لذلك أصبحت العقوبات وتجميد الأصول ومراقبة المستفيد الحقيقي وتجفيف قنوات التمويل، أدوات استراتيجية موازية للقوة العسكرية.
من يربح؟
الرابحون في الحروب ليسوا فقط تجار السلاح. وبحسب أحدث بيانات SIPRI، استحوذ الشرق الأوسط على 26% من سوق الأسلحة عالمياً خلال 2021-2025، فيما جاءت 54% من وارداته من الولايات المتحدة. ولا تعكس هذه الأرقام حجم الإنفاق فقط، بل كيف تحولت التوترات الأمنية المزمنة إلى طلب استراتيجي طويل الأمد على السلاح.
لكن اقتصاد الأمن الجديد بات أوسع: شركات المراقبة، والطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، واللوجستيات، والخدمات الأمنية الخاصة. وبعض هذه القطاعات يقوم على إيرادات تدوم طالما بقيت الحاجة إلى المراقبة والحماية والتحليل قائمة.
ثم تأتي مرحلة ما بعد الحرب، حيث يتحول الدمار إلى سوق ضخمة لإعادة الإعمار. فإعادة إعمار غزة، وفق تقييم أُنجز عام 2025 من البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، قُدرت احتياجاتها بنحو 53 مليار دولار. وهنا تبدأ معركة أخرى: من يحدد الأولويات؟ من يحصل على العقود؟ ومن يملك التمويل الذي سيعيد بناء المدن؟
لكن الأخطر أن إعادة الإعمار لا تعيد البناء فقط، بل تعيد، في بعض الحالات، تشكيل ملكية الأرض والعقارات والبنية التحتية، وتحدد من يدخل الاقتصاد الجديد ومن يبقى خارجه. لذلك لا تنتهي المعركة الاقتصادية بانتهاء الحرب، بل تنتقل من السيطرة على الموارد أثناء الصراع إلى السيطرة على عقود الإعمار والتمويل والأسواق بعده.
بهذا المعنى، السلاح يصنع الدمار، والتمويل يمنح الصراع القدرة على الاستمرار، واقتصاد الظل يحافظ على تدفقاته، ثم يأتي رأس المال في مرحلة ما بعد الحرب لإعادة توزيع الملكية والنفوذ.
النموذج اللبناني
لبنان يقدم نموذجاً مختلفاً للاقتصاد الذي يولده الانهيار من دون حرب شاملة. فقد قدر البنك الدولي الاقتصاد النقدي المدولر بنحو 9.9 مليارات دولار، أي 45.7% من الناتج المحلي في 2022. ولم يكن ذلك مجرد تغير في وسيلة الدفع، بل إعادة توزيع للقوة الاقتصادية، بعدما انهار القطاع المصرفي وفقدت العملة وظائفها الأساسية.
والانهيار هنا لم يوزع الخسائر بالتساوي. فقد تحملت الفئات الأكثر هشاشة الجزء الأكبر من كلفته، بينما أصبح من يملك السيولة بالدولار والأصول القابلة للشراء في موقع اقتصادي أقوى. ولهذا فإن السؤال ليس فقط: أين ذهبت الودائع؟ بل: كيف أعاد الانهيار توزيع ملكية الأصول، ومن امتلك القدرة على الشراء في لحظة الانهيار؟
الخلاصة الاستراتيجية أن أخطر المستفيدين من الصراع ليسوا بالضرورة الذين يخوضون الحرب، بل الذين يستطيعون تحويل استمرارها إلى نموذج أعمال أو مصدر نفوذ.
ولهذا قد تصبح إدارة الأزمة، بديلاً عن حلها: الدولة الراعية تموّل الوكيل، والوكيل يسيطر على مورد، وشبكة التهريب تموّل الوكيل، والسوق السوداء تؤمن السيولة، والمساعدات تمنع الانهيار الإنساني الكامل، ثم يأتي المستثمر عندما تصبح الأرض جاهزة لإعادة البناء.
كل ذلك لا يعني أن جميع الأطراف متواطئة، ولا أن هناك جهة واحدة تدير المنظومة من خلف الستار. المسألة أكثر تعقيداً: يكفي أن تتقاطع مصالح دول راعية، ووكلاء محليين، وشبكات اقتصاد ظل، ومؤسسات تجارية ومالية، لتصبح الفوضى نظاماً قابلاً للاستمرار، والسلام نفسه تهديداً للعديد من مراكز القوة.
وفي الشرق الأوسط، ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية: من يربح الحرب؟
بل: من يملك اقتصاد ما بين الحرب والسلام؟
نداء الوطن – فراس العريضي




