سقوط الفيتو.. تعليمات أمنية تتحدى نفوذ حزب الله في الضاحية الجنوبية

كشفت المعلومات عن صدور توجيهات داخلية جديدة إلى ضباط وعناصر القطاعات العملياتية في قوى الأمن الداخلي، تقضي بتنفيذ الاستنابات القضائية والمأموريات الرسمية داخل الضاحية الجنوبية ومناطق نفوذ حزب الله، دون انتظار موافقة مسبقة من لجان الارتباط التابعة للحزب، في خطوة تعكس توجهاً لإعادة رسم حدود الصلاحيات الأمنية بين مؤسسات الدولة والتنظيم المسلح.
وبحسب مصدر أمني مطلع، فإن التعليمات التي نُقلت شفهياً وعبر قنوات القيادة والسيطرة، دون تعميم مكتوب معلن، شددت على أن الإشارة القضائية تشكل المرجعية الملزمة للعناصر الأمنية، ولا يجوز تعطيل تنفيذها أو تأجيلها بانتظار موافقة أي جهة حزبية.
وأوضح المصدر أن التوجيهات تميز بين التنسيق اللوجستي الضروري لتجنب الاحتكاكات الميدانية، وبين الاستئذان الذي يمنح جهات غير رسمية قدرة على التحكم بتوقيت العمليات الأمنية أو مساراتها.
جاءت هذه التطورات عقب المواجهة التي شهدتها منطقة “غاليري سمعان”، على أطراف الضاحية الجنوبية، خلال مداهمة نفذتها المباحث الجنائية المركزية لمستودع أدوية، بناءً على إشارة قضائية من النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج.
وتعرضت الدورية لمحاولة عرقلة من مجموعات تجمهرت في محيط المستودع، ما استدعى تدخل الجيش اللبناني لتأمين المهمة، قبل استكمال الإجراءات وضبط الأدوية وختم المستودع بالشمع الأحمر.
وأثارت الحادثة سجالاً سياسياً بعدما أصدر حزب الله بياناً اعتبر فيه أن القوة الأمنية لم تلتزم بآلية التنسيق المتفق عليها، مبرراً ضرورة اتباعها بحساسية الوضع الأمني في الضاحية والتهديدات الإسرائيلية المستمرة.
غير أن الأجهزة الأمنية تمسكت بحقها في تنفيذ القرارات القضائية، بينما تحولت الحادثة إلى اختبار عملي لحدود نفوذ الحزب داخل منطقة اعتاد ممارسة دور أمني واسع فيها.
ووفق المعلومات الخاصة، فإن التوجيهات الجديدة لا تلغي الاتصالات الميدانية التي قد تفرضها الضرورات الأمنية، لكنها تنزع عنها أي صفة إلزامية تتعلق بالحصول على موافقة الحزب.
وتاريخياً، اضطلعت لجنة الارتباط والتنسيق التابعة لحزب الله، التي ارتبط اسمها طويلاً بالمسؤول الأمني وفيق صفا، بدور الوسيط بين الأجهزة الرسمية والبنية الأمنية للحزب.
لكن الخلاف يتمحور حول طبيعة هذا الدور؛ ففي حين يتعامل الحزب مع التنسيق باعتباره ضرورة تتيح له التأثير في توقيت العمليات ومساراتها، تتمسك المؤسسات الأمنية بأن اختصاصاتها تستند إلى القانون والإشارات القضائية، ولا تخضع لموافقة أي تنظيم سياسي.
ويشير المصدر إلى أن التعليمات الأخيرة تهدف إلى منع تحول الاعتبارات الأمنية إلى استثناء دائم يقيّد عمل الشرطة القضائية، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالمخالفات الجنائية والجرائم الاقتصادية والصحة العامة.
وتضمنت التوجيهات، بحسب المصدر، تعزيز التنسيق المباشر بين غرف عمليات قوى الأمن الداخلي وقيادة الجيش، لضمان توفير المؤازرة السريعة للدوريات التي تواجه محاولات عرقلة أثناء تنفيذ مهامها.
وتزامن ذلك مع انتشار عسكري وأمني مكثف في الضاحية ومحيطها، شمل إقامة حواجز مؤقتة وتسيير دوريات في عدد من المحاور الرئيسة، عقب التوترات الميدانية ومسيرات الدراجات النارية التي شهدتها بيروت.
ويرى المصدر أن توفير المؤازرة العسكرية يشكل عنصراً أساسياً في ضمان تنفيذ القرارات القضائية، دون اضطرار العناصر الأمنية إلى الدخول في تفاهمات ميدانية مع جهات حزبية.
ومع ذلك، لم يصدر إعلان رسمي يفيد بإلغاء آلية التنسيق السابقة، كما لم تتضح بعد حدود تطبيق التعليمات الجديدة على مختلف الأجهزة والمناطق.
ولا تنحصر تداعيات حادثة “غاليري سمعان” في مصادرة الأدوية، إذ فتحت الجهات المختصة تحقيقات لتحديد المسؤوليات المتعلقة بمحاولة عرقلة الدورية، وسط معلومات عن مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة لتحديد هويات المشاركين.
وتبرز أهمية هذه التحقيقات في قدرتها على اختبار ما إذا كانت الإجراءات الجديدة ستترجم إلى ملاحقات قضائية فعلية، أم ستبقى محصورة بتأكيد صلاحيات الدولة خلال العمليات الميدانية.
سياسياً، تضع التطورات حزب الله أمام معادلة مختلفة، بعدما أصبح الاعتراض على تنفيذ المأموريات القضائية موضع سجال علني يتصل بسلطة المؤسسات الرسمية، وليس مجرد خلاف تقني بشأن التنسيق الأمني.
وتتقاطع هذه الإجراءات مع مساعي الحكومة اللبنانية لتعزيز حصرية السلاح والقرار الأمني بيد الدولة، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء نفوذ الحزب أو تفكيك بنيته الأمنية الموازية.
في تعليقه على هذه التطورات، يرى الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، إن حادثة غاليري سمعان تتجاوز الخلاف بشأن مداهمة مستودع أدوية، لتطرح إشكالية تتعلق بحدود سلطة الدولة في المناطق الخاضعة لنفوذ حزب الله.
واعتبر حمادة أن جوهر الأزمة يكمن في محاولة تحويل التنسيق الأمني إلى آلية تمنح جهة حزبية دوراً في تحديد كيفية تنفيذ القرارات القضائية، بما يتعارض مع مبدأ حصرية السلطة الأمنية بيد المؤسسات الرسمية.
وتبرز أهمية الحادثة، وفق قراءته، في أنها أعادت طرح السؤال عن الجهة التي تملك القرار الأمني الفعلي داخل الضاحية الجنوبية، وحدود تدخل حزب الله في عمل الأجهزة الشرعية.
وتشير هذه القراءة إلى أن استمرار العمل بآليات تنسيق غير واضحة الصلاحيات قد يؤدي إلى تكريس استثناءات أمنية تقوض سلطة القانون، وتجعل تنفيذ المأموريات الرسمية خاضعاً لموازين النفوذ بدلاً من المرجعية القضائية.
المصدر: إرم نيوز




