من ينهب أرض الجنوب؟

لم يكفِ الجنوبَ اللبنانيّ ما يتعرّض له من اعتداءات إسرائيليّة ودمار وتهجير، حتى بات بعض أبنائه ضحايا سرقات يرتكبها أشخاص من داخل البلد نفسه! فالمواطن الذي نجا من القصف واضطر إلى ترك منزله، يعود لتفقّد ما تبقّى من ممتلكاته، ليُفاجأ بأنّ بيته قد نُهب، وأنّ ما لم تدمّره الحرب امتدّت إليه أيدي السّارقين. وكأنّ بعض اللبنانيّين قرّروا استكمال ما بدأه الإسرائيليون!
فمنذ فترة، كشفت قوى الأمن الداخلي عن سلسلة سرقات طالت مناطق جنوبية عدّة، مستغلّةً الأوضاع الأمنية ونزوح الأهالي. ففي المصيلح، أوقفت شعبة المعلومات عصابة نفّذت سرقات استهدفت ورش بناء في المصيلح وزفتا وصيدا وجنسنايا، شملت أدوات صناعية ومواسير نحاسية بيعت لاحقاً في الغازية.
وفي النبطية، أوقفت الأجهزة الأمنية شخصاً نفّذ سرقات طالت منازل ومحال تجارية تركها أصحابها قسراً هرباً من الحرب. كما أفادت معلومات بتوقيف نحو 25 شخصاً متورّطاً في سرقات بالمنطقة خلال شهر واحد، وسط مطالبات من البلديات بتعزيز الانتشار الأمني لحماية ممتلكات النازحين.
ولم تسلم حتى المباني التي دمّرتها الحرب! ففي عدشيت، كشفت قوى الأمن الداخلي عن سرقة محتويات مبنى مدمّر تُقدّر قيمتها بنحو 20 ألف دولار، شملت 63 لوح طاقة شمسية وخزّاني مياه وبلاطاً ومعدّات صناعية، قبل بيع المسروقات وتقاسم ثمنها. وكأنّ الركام الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية تحوّل بدوره إلى فرصة لجني الأموال!
وامتدّت السرقات إلى أجهزة التكييف والمولّدات الكهربائية، إذ أوقفت شعبة المعلومات مواطناً لبنانياً اعترف بتنفيذ عمليات سرقة في زفتا والنبطية والمصيلح ودير الزهراني، مستهدفاً ضواغط المكيّفات ومولّداً كهربائياً.
والمفارقة أنّ هذه الحوادث تتزامن مع تقارير عن عمليات نهب نفّذها جنود إسرائيليون داخل الأراضي اللبنانية. فقد كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية شهادات لجنود تحدّثوا عن سرقة ممتلكات مدنيين من منازل ومحال تجارية في الجنوب، شملت أجهزة تلفاز ودراجات نارية وأثاثاً وسجاداً، وصولاً إلى ادعاءات بسرقة سبائك ذهبية، وسط اتهامات لقيادات عسكرية إسرائيلية بالعلم بهذه الممارسات.
والأخطر أنّ بعض اللبنانيين باتوا يرتكبون أفعالاً مشابهة بحق أبناء وطنهم. فكيف يمكن لمنزلٍ صمد أمام القصف أن يتحوّل إلى غنيمة لسارق؟ وكيف يمكن استغلال نزوح عائلة فقدت أمانها لسرقة ما تبقّى من جنى عمرها؟ وأيّ مأساة أكبر من أن يعود الجنوبي إلى منزله، فلا يجد فيه سوى آثار الحرب والسرقة معاً؟
إنّها ليست مجرّد سرقات عادية، بل اعتداءات تستغلّ مأساة أشخاص دفعتهم الحرب إلى مغادرة منازلهم قسراً. وبينما تواصل القوى الأمنية ملاحقة المتورّطين، تبرز ضرورة تسيير دوريّات “حيث أمكن”، وتشديد العقوبات لحماية ممتلكات النازحين ومنع تحويل القرى المتضرّرة إلى ساحات مفتوحة للنهب. فالجنوب الذي يتعرّض للاعتداءات الإسرائيلية، لا يجوز أن يُترك فريسةً لسارقين من “أهل البيت”، فمن ينهب منزلاً هجره أصحابه خوفاً من الموت، لا يسرق ممتلكات فحسب، بل يستغلّ مأساة وطنية ويضاعف خسائر أهلها.
المصدر: MTV




