أردوغان يرد على المماطلة اللبنانية؟

لم يكن كلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول توقيف معراج أورال، مجرد إشادة بعملية أمنية مشتركة مع الأمن السوري، بل رسالة سياسية بالغة الدقة إلى لبنان وأجهزته الأمنية، مفادها أن المماطلة وعدم الاستجابة السياسية والأمنية لمطالب تسليم مطلوبين مرتكبين لجرائم جماعية، ستدفع الدول المعنية الى التصرف على نحو مباشر، وما ينطبق على أورال، ينطبق أيضاً على مجرمي نظام بشار الذين يختبئون في لبنان.
لا يمكن فصل هذه الرسالة عن سجل أورال الاجرامي، الذي تتهمه السلطات التركية بالضلوع في تفجيرات الريحانية عام 2013، والتي أوقعت عشرات القتلى والجرحى، فيما يُتهم بالمسؤولية عن مجازر البيضا ورأس النبع في مدينة بانياس السورية في العام نفسه.
وُلد “جزار بانياس” في منطقة أنطاكيا التركية، وانخرط في تنظيمات مسلّحة معارضة للدولة التركية. اعتُقل عام 1978 على خلفية اتهامات شملت تفجير القنصلية الأميركية في أضنة والسطو على أحد المصارف، قبل أن يفرّ من السجن ويلجأ إلى سوريا. وهناك حصل على الجنسية السورية في عهد حافظ الأسد، وعُرف باسم علي كيالي، قبل أن يتحوّل إلى أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة الموالية للنظام.
ستة لبنانيين في العملية؟
تشير المعلومات إلى مشاركة ستة لبنانيين في العملية، وإلى توقيف ثلاثة منهم. فمن هم هؤلاء الأشخاص؟ وما طبيعة مشاركتهم؟ وهل اقتصر دورهم على تسهيل تحركات؟ أم شاركوا بصورة مباشرة في عملية التوقيف والنقل؟
الروايات المتداولة تتحدث عن اقتياد أورال من منطقة المنصورية، ومنها إلى سوريا، من دون علم السلطات اللبنانية. في المقابل، نفت السفارة السورية في لبنان صلتها بالعملية أو معرفتها بتفاصيلها.
كلام أردوغان في هذا السياق ليس تفصيلاً يمكن تجاهله. فإعلانه نجاح التعاون الاستخباري بين أنقرة ودمشق يضع البلد أمام استحقاق سياسي وأمني، مفاده أن هذه الواقعة ستشكل سابقة تتيح لأجهزة أجنبية تنفيذ عمليات داخل لبنان من دون الرجوع إلى سلطاته.
إعداد لائحة شاملة
القضية لا تنتهي عند كيفية توقيف أورال، فيما يُترك السؤال الأساسي بلا إجابة: لماذا ينبغي أن يبقى لبنان ملاذاً للضباط والمسؤولين الذين عملوا مع نظام الأسد، وبينهم من توجه إليهم اتهامات خطيرة بارتكاب جرائم بحق السوريين؟
لذلك تبرز ضرورة إعداد لائحة شاملة بأسماء الضباط والمسؤولين والمشتبه في تورطهم بجرائم خلال عهد النظام السوري السابق، ممن يقيمون في لبنان. وينبغي دراسة ملف كل شخص على حدة، وتحديد وضعه القانوني، والتحقق من وجود مذكرات توقيف أو أدلة جدية بحقه، ثم التواصل مع السلطات السورية بشأن المطلوبين الذين تسمح الإجراءات القانونية بتسليمهم، واتخاذ التدابير المناسبة بحق الأخرين، مع الأخذ بالاعتبار إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان.
لا يجوز أن يبقى هذا الملف رهينة التجاذبات السياسية أو حسابات بعض الأجهزة الأمنية. وهنا لا يمكن تجاهل ما أثاره وليد جنبلاط بشأن نقص التنسيق الأمني بين لبنان وسوريا، نتيجة رفض ـ ما أسماه ـ بعض الأجهزة اللبنانية التعاون مع نظيراتها السورية.
هذه المعطيات تستوجب إجابات واضحة. فإذا كانت الدولة اللبنانية قد قررت فتح صفحة جديدة مع سوريا، وبناء علاقات متوازنة تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة، فمن غير المقبول أن تعطل أي مؤسسة أمنية هذا التوجه بقرار منفرد، أو أن تتصرف وفق حسابات مرحلة انتهت.
علاقة متوازنة
إن العلاقة السوية مع دمشق لا تعني العودة إلى زمن الوصاية، كما أن رفض الاعتداء على السيادة لا يعني القطيعة مع سوريا أو التساهل مع المجرمين. بمعنى أن المطلوب يندرج في سياق معادلة واضحة: لا خطف ولا استباحة للأراضي اللبنانية، ولا إيواء لمجرمين فارّين من العدالة. فالدولة التي تحترم سيادتها لا تسمح للآخرين بانتهاكها، لكنها لا تستخدم السيادة ستاراً لحماية من يهددون أمن جيرانها أو يواجهون اتهامات خطيرة بارتكاب جرائم جماعية.
لا يحتمل هذا الملف المماطلة ولا التسويف، والمسؤولية الوطنية تفرض على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وضع اليد عليه فوراً، بالتوازي مع إعداد اللائحة الشاملة بالمطلوبين والمشتبه في تورطهم بجرائم من النظام السابق، والتواصل مع دمشق لتسليم من يستوجب وضعهم القانوني ذلك، وفق إجراءات واضحة ومعلنة.
لبنان ليس دكانة أمنية، ولا ساحة مفتوحة، ولا ملجأً لمن يهربون من المحاسبة. والسيادة ليست شعاراً انتقائياً يُرفع حين يناسب المصالح ويهمل حين يتعارض معها، واستعادة الدولة تبدأ بفرض قرارها على أجهزتها، وبإقامة علاقة متوازنة مع سوريا الجديدة، عنوانها الاحترام والتشاور والتعاون تحت سقف القانون والدستور والمصلحة الوطنية.
المصدر: قاسم يوسف – اساس ميديا




