ترسيم الحدود البحرية: الحرب تُعرقل التنقيب وتُوسّع فجوة الإفادة بين الطرفين

تبرز الحرب الإسرائيلية على لبنان اتساع الفجوة بين البلدين في استثمار الموارد الغازية البحرية. فـ إسرائيل بدأت إنتاج الغاز من حقل كاريش عام 2022، وتواصل تطوير قطاعها البحري، فيما لم ينجح لبنان حتى الآن في تحقيق اكتشاف هيدروكربوني تجاري في مياهه، رغم اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي أنجز بوساطة أميركية في 27 تشرين الأول 2022. وبعدما لم يحقق حفر بئر قانا 31/1 في البلوك الرقم 9 نتائج إيجابية، تخلى تحالف “توتال إنيرجيز” و”إيني” و”قطر للطاقة” عن كامل حقوقه البترولية في البلوك، على أن يصبح التخلي نافذا في 1 آذار 2026، ليعود البلوك إلى الدولة اللبنانية ويصبح متاحا للترخيص في جولات لاحقة.
يعكس هذا المسار تفاوتا واضحا في قدرة البلدين على تحويل اتفاق الترسيم إلى فرص استثمارية فعلية. فالاتفاق أتاح للبنان استكشاف موارده ضمن إطار حدودي متفق عليه، لكنه لم يضمن العثور على احتياطات قابلة للاستخراج التجاري، ولم يضع البلدين على المسار نفسه في تطوير مواردهما.
وفي محاولة لمواصلة عمليات التنقيب، وقع لبنان في 9 كانون الثاني 2026 اتفاقا مع تحالف “توتال إنيرجيز” و”إيني” و”قطر للطاقة” للتنقيب في البلوك الرقم 8. ويتضمن البرنامج الأولي إجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد على مساحة تبلغ نحو 1200 كيلومتر مربع خلال فترة أولية مدتها 3 سنوات، تليها فترة إضافية مدتها سنتان لحفر بئر استكشافية، بما يتيح تقييم الإمكانات الجيولوجية للبلوك وتحديد فرص العثور على موارد قابلة للاستثمار التجاري. غير أن الانتقال من المسوحات إلى الحفر وتطوير أيّ اكتشاف محتمل يبقى مرتبطا بالظروف الأمنية وبقدرة لبنان على توفير بيئة تسمح باستمرار الاستثمارات.
اتساع الفجوة
في ظل المخاطر الأمنية المتفاقمة، تتزايد المخاوف من اتساع الفجوة بين لبنان وإسرائيل في الإفادة من الموارد البحرية، فيما تواصل دول شرق المتوسط استكشاف حقولها وتطويرها. ولا يقتصر التحدي اللبناني على ترسيم الحدود، بل يشمل توفير بيئة مستقرة للاستكشاف، واستقطاب الاستثمارات، وتحويل الموارد المحتملة إلى مورد اقتصادي فعلي.
ويتفق الخبير في اقتصادات النفط والغاز فادي جواد والخبير الدولي في اقتصادات الطاقة ناجي أبي عاد على أن لبنان لم يحقق إفادة اقتصادية ملموسة من موارده البحرية، فيما تواصل إسرائيل تطوير قطاعها، وأن استمرار الحرب والتوترات الأمنية يزيد صعوبة إحراز تقدم في الاستكشاف والاستثمار.
يرى جواد أن “اتفاقات ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، ولا سيما الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي، أسهمت في دفع الشركات العالمية إلى دخول عمليات التنقيب في المنطقة، مع ظهور نتائج إنتاجية في قبرص وإسرائيل، وخصوصا في حقل كاريش المحاذي للبلوكين اللبنانيين 9 و10”.
لكن هذه الاندفاعة الإقليمية لم تنعكس على لبنان الذي لا تزال بلوكاته البحرية في دائرة الجمود، في انتظار ضوء أخضر أميركي يتيح الانتقال إلى التنقيب الفعلي. ويلاحظ جواد أن “قدرة لبنان على تحريك هذا الملف تبقى محدودة في ظل وجود أولويات أكثر إلحاحا، في مقدمها وقف الحرب ومعالجة الأزمة الاقتصادية”.
أما أبي عاد، فيركز على الأثر المباشر للمواجهات في تعطيل أي تقدم، مستبعدا إحراز اختراق في ملف الترسيم أو الاستكشاف ما دامت الحرب والمناوشات مستمرة في البر والبحر. لكن جواد يربط هذا التعثر أيضا بغياب الضوء الأخضر الأميركي وتزاحم الأولويات السياسية والاقتصادية، فيما يعطي أبي عاد العامل الأمني أولوية بوصفه العائق المباشر أمام إحراز تقدم في المرحلة الراهنة.
استفادت إسرائيل من هذا الواقع، فواصلت تطوير بلوكاتها البحرية بالتعاون مع شركات دولية كبرى، فيما تبدلت حسابات الاستثمار في قطاع الطاقة. ويشير جواد إلى أن “التوترات التي تطاول إمدادات الطاقة التقليدية، بما فيها المخاطر المرتبطة بـ مضيق هرمز وباب المندب، زادت جاذبية موارد شرق المتوسط، لقربها من الأسواق الأوروبية وإمكان توفيرها مسارات إمداد بديلة”.
هذه التطورات عززت موقع إسرائيل على خريطة الطاقة الإقليمية، فيما بقي لبنان بعيدا من الإفادة الفعلية من موارده المحتملة، لذا، يدعو جواد إلى فصل الملف النفطي عن التجاذبات السياسية والاقتصادية الداخلية، ووضعه تحت مظلة مؤسسات دولية تتولى تطويره وحمايته بالتعاون مع إدارة لبنانية مستقلة، تتمتع باستقلال إداري وجغرافي عن التجاذبات الداخلية، بما يضمن استمرارية العمل بعيدا من التبدلات الأمنية والاقتصادية. وتختلف هذه المقاربة عن موقف أبي عاد الأكثر تشكيكا في إمكان تحقيق تقدم قريب، ولا سيما في ضوء نتائج الاستكشاف السابقة واستمرار الحرب.
لا تقدم في ظل الحرب
يفصل أبي عاد بين استمرار إسرائيل في تطوير مواردها البحرية وإمكان تحقيق تقدم في الملف اللبناني، مشيرا إلى أن “الشركات العاملة في الجانب الإسرائيلي تواصل نشاطها، فيما لم يتمكن لبنان من تحقيق اكتشاف تجاري في حقل قانا. ويشكك في إمكان البناء على نتائج الاستكشاف الحالية لتحقيق عائد اقتصادي قريب، في غياب اكتشاف تجاري يتيح الانتقال إلى مرحلة الإنتاج”.
أما الحديث عن حصول إسرائيل على حصة من عائدات الحقل، فيفتقر في رأيه إلى جدوى عملية ما دام لم يكتشف وجود كميات تجارية في الجزء اللبناني، فضلا عن امتلاك إسرائيل حقولا منتجة توفر لها إمدادات كبيرة من الغاز. وتاليا لا يرى أن “استمرار النشاط الإسرائيلي يعني بالضرورة أن لبنان بات قادرا على استثمار موارده في الظروف الحالية، أو أن ملف الترسيم مرشح لتحقيق تقدم مستقل عن مسار الحرب”.
المصدر: سلوى بعلبكي – النهار




