Featuredأخبار محلية

إشارات السير في البقاع: عززت الخلافات البلدية ولم تنه الفوضى

لم يعتد البقاعيون، أو سكان محافظة البقاع، على إشارات السير، ولم يسترع انتباههم يومًا غيابها عند مفترقات طرقاتهم كلها. ولكن ما إن بدأ انتشارها على طريق شتورا – زحلة، حتى تحوّلت إلى مادة لسجال طويل اجتاح وسائل التواصل الاجتماعي. وتطوّر من انتقادات وتعليقات وتشكيك في الاختصاصات إلى شتائم وتهديدات، استدعت تقديم شكاوى لدى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية.

استحداث إشارات

المفارقة أن الضجة المثارة حول الإشارات هذه المرة، لم تصدر عن المواطنين، الذين تأقلموا سريعاً مع الالتزام بها، رغم تسجيل خروقات طفيفة، بل انفجر السجال بين بلديات يفترض أن تتكامل من خلال اتحاد بلديات قضاء زحلة، بعدما أخذت على عاتقها الإنفاق على تركيب الإشارات من أموال المكلفين فيها، حتى لو كانت الطرق التي جهزت عليها الإشارات ملكًا لوزارة الأشغال وتخضع مباشرة لمسؤوليتها.

وهكذا، بعدما كان البقاع كله قبل الانتخابات البلدية الأخيرة مجهزًا بإشارة سير واحدة عند مفترق بلدتي المرج وبر الياس، صار المواطنون مضطرين إلى التوقف عند ثلاث إشارات إضافية: واحدة في ساحة شتورا، وثانية عند تقاطع طريق عام تعلبايا مع طرقاتها الداخلية، وثالثة استحدثت أخيراً ضمن نطاقها لخدمة الطريق المتفرعة نحو جلالا. وحول الإشارة الأخيرة تحديدًا، تفجّر الجدل بين تعلبايا وشتورا منذ الأسبوع الماضي.

يُسجّل لبلدية شتورا أنها كانت أول من بادر، بعد الانتخابات البلدية الأخيرة، إلى وضع إشارة سير عند تقاطع طرقاتها المؤدية إلى طريق عام بر الياس – المصنع، وتعلبايا – زحلة. وقد حرصت البلدية منذ البداية على أن يترافق تركيب الإشارة مع مفهوم استعادة هيبة القانون. فجهّزتها بنظام توقيت ذكي، وبكاميرات للمراقبة، ونظّمت خطوط السير ورسمتها بوضوح، وتعقبت من يتجاوز الضوء الأحمر، مع فرض غرامات على المخالفين. فتحولت شتورا نموذجًا لهيبة دولة مفقودة على معظم طرقات البقاع.

في المقابل، التزمت بلدية تعلبايا أيضًا ببند تركيب إشارات السير في برنامجها الانتخابي، ووضعتها من ضمن أولوياتها، متقدمة من وزارة الأشغال بطلب استحداث إشارة عند مفترق الطرق الذي يربط الطريق الرئيسية بطرقها الداخلية، وحائزة على الموافقات كافة من ضمن الأصول المتبعة.

على رغم الجدل الذي سبق تركيب إشارة السير الأولى في تعلبايا، والنصائح التي أُسديت للبلدية بإقفال المفترق وتحويل السير إما نحو شتورا أو إلى مستديرة كسارة في زحلة، تفادياً للفوضى والازدحام، لم تتأخر ولادة “إشارة تعلبايا” إلا لأسباب مالية فرضت تحديد الأولويات.

كان من المفترض أن يكتمل مسعى تعلبايا للتخفيف من زحمة السير على طريق رئيسية يعبرها المواطنون من مختلف قرى البقاع الشمالي وإليها، مع استحداث إشارة أخرى عند تقاطع طريقها مع سعدنايل. إلا أن بلدية الأخيرة تراجعت عن اتفاقها المسبق مع بلدية تعلبايا، ما حدّ من قدرة الإشارة على امتصاص الفوضى المرورية على الطريق المؤدية إلى زحلة وشتورا. وغياب التنسيق لتنظيم السير عند هذه النقطة، تطلب وقتًا إضافيًا حتى يتأقلم المواطنون مع الإشارة، خصوصًا أنها لم تترافق مع إجراءات رادعة لمخالفة الضوء الأحمر. واعتمدت البلدية أساسًا على وعي المجتمع المدني. وانتظمت الأمور تلقائيًا بعد أسابيع، وإن استمرت الخروقات اليومية، ولا سيما من سائقي الدراجات النارية و”التوك توك”.

خروج الخلافات إلى العلن

إلى أن تفجّر الخلاف على الإشارة الثالثة المستحدثة على الطريق نفسها، أي “إشارة جلالا”. فبعد نحو أسبوعين من النقاش خلف الأبواب الموصدة بين بلديتي تعلبايا وشتورا، خرج الجدل إلى العلن عبر منشور لرئيس بلدية شتورا ميشال مطران، انتقد فيه إشارة جلالا مباشرة، وصولاً إلى التشكيك في خبرة المسؤول المعني في وزارة الأشغال الذي منح الإذن باستحداثها.

ومطران هو رئيس المرصد اللبناني للسلامة المرورية، ومؤسس غرفة التحكم المروري في قوى الأمن الداخلي، ومجموعة “يازا” للسلامة المرورية، ولديه خلفية تخصصية تسمح له بإبداء الملاحظات على الإجراءات المرورية في مختلف الأراضي اللبنانية. ولكنه في منطقة البقاع تحديدًا يرأس منذ أكثر من عام مجلس بلدية شتورا، التي على رغم صغر مساحتها، تشكل ممرًا رئيسيًا لمختلف قرى البقاع الأوسط والشمالي. وقد خرقت بلديتها الفضاء الافتراضي بحالة مرورية مختلفة، سلّطت الأضواء عليها كتجربة نموذجية.

ويؤكد مطران لـ”المدن” أن ملاحظاته على إشارة جلالا كانت تقنية منذ البداية، خصوصًا أن استحداثها لم يترافق مع دراسة لتصميم الطريق، ولا تعداد مسبق لحركة السير، ولا مع دراسة للزحمة وحوادث السير الناشئة عند هذا المفترق.

زيادة عامل الخطر المروري

وبرأي مطران يؤدي التقاطع إلى طريق للخدمة. والحل للفوضى التي يشهدها يكمن بإغلاق التقاطع وليس بالإشارة، وهذا الحل مطابق لخرائط وزارة الأشغال، إذ إن التقاطعات كانت مقفلة بالأساس والبلديات هي التي فتحتها.

وأضاف: بما أن القيّمين على البلديات لم يقبلوا الحل الأصح، فكان الأجدى أن يبادروا منذ البداية إلى تركيب الإشارة بشكل متكامل وصحيح. وإلا فإن الإشارة لن تكون سوى عامل خطر يهدد السلامة المرورية risk factor.

إلا أن تعليقات مطران العلانية استدرجت النقاش إلى خارج الأبواب المغلقة وجعلته يجنح نحو الشخصنة. وسيقت ضده تعليقات من أهالي في تعلبايا بأنه يتدخل في أمر لا يعنيه. ووصل الأمر بأحدهم إلى شتمه على وسائل التواصل الاجتماعي، فاشتكى عليه لدى فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية، قبل أن يحذف المنشور “حفاظًا على علاقات الجيرة التاريخية بين البلدتين”.

الإشارة أفضل من لا شيء

يصر مطران على أنه طرق باب رئيس بلدية تعلبايا أكثر من مرة في الأسبوعين الماضيين لحمله على تصحيح الخطأ الذي وقع من خلال تركيب الإشارة، ولم يطرح الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي إلا بعدما باتت تداعيات “الخطأ” تؤثر مباشرة على شتورا.

في المقابل تتمسك تعلبايا بالإشارة مهما كان الثمن. بالنسبة للمعنيين في بلديتها فإن وجود الإشارة أفضل من عدم وجودها. ويتحدث هؤلاء عن زحمة سير مزمنة عند هذه النقطة، وفوضى وحوادث سير، شكلت كلها عوامل ملحة لاستكمال الملف وسعيه للحصول على موافقة وزارة الأشغال وفقًا للأصول المتبعة.

وقد أشركت بلدية تعلبايا محافظة البقاع في توجهها للحفاظ على الإشارة، من خلال اجتماع عقد صباح الإثنين الفائت مع المحافظ كمال أبو جودة.

غياب التنسيق في وضع الإشارات

وفقًا لمعلومات “المدن” تناول الاجتماع مشكلة غياب التنسيق بين توقيت الإشارات المتعددة على الطريق، أو ما يُعرف بـSynchronization، أي مزامنة ألوانها وفق توقيت مدروس ومترابط، بما يسمح بانسيابية حركة السير ويحد من الازدحام.

وفي هذا الإطار كشفت أوساط المحافظة أنها كانت على تواصل مع الدوائر المعنية في وزارة الأشغال لحل هذه المشكلة التقنية منذ اللحظة الأولى لتركيب الإشارة، خصوصا أن الطريق يقع من ضمن صلاحية الوزارة.

وفي اتصال مع “المدن”، لفت رئيس بلدية تعلبايا أنطوان فياض إلى أن وزارة الأشغال وعدت بمعالجة المشكلة من خلال تجهيز النقطة بوسائل التزامن اللازمة، من دون توضيح الأسباب التي جعلت الوزارة تغفل منذ البداية هذا الجانب، على رغم أهميته في تنظيم حركة السير.

في المقابل شددت أوساط محافظ البقاع على أهمية التنسيق مع وزارة الأشغال وبين البلديات التي تتقاطع مصالحها على هذه الطريق، من أجل تأمين المرور السهل والأمن لكافة المواطنين على هذه الطرقات العامة، رافضة بعض الأساليب الفضائحية في التعاطي بمسائل التنمية وإدارة المدن.

المهم في الجدل الذي أثير أنه قد يسرع الإجراءات الإدارية لاستيعاب الزلات التي وقعت فيها الإشارة منذ تركيبها، وربما يتفادى زلات مستقبلية مشابهة على الطرقات في حال تقرر السير بالبقاع نحو تعميم تجربة إشارات السير. إلا أن من تداعيات هذا الجدل، أنه أضاء على ما كان معتماً، وكشف “القلوب المليانة” بين بلديات يُفترض أن تتعاون من خلال اتحادها، وأن تتكامل بحكم الجيرة، وخصوصًا أنها تتشارك طريقًا واحدة.

المصدر: المدن – لوسي بارسخيان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |